من الذكريات.. يوم بكى الشاب (على الشهيد فايز منصور)

سمير جبارة

13 أيار 1970..
كانت السنة الدراسية قد قاربت على الانتهاء... انتهى الدوام الصباحي الساعة الثانية عشرة و الربع كالعادة..
كان تلميذ المرحلة الثانوية يرتدي بزّة الفتوة مثل كل أترابه..
خرج من معهد الحرية الذي كان اسمه (اللاييك) حتى ما قبل سنتين.. المعهد الذي أمضى فيه أغلب أيام حياته حتى ذلك اليوم...
شارع بغداد خالٍ من السيارات على غير العادة..
جنازة كبيرة تمرّ من أمامه.. التابوت المحمول على الأكفّ و الملفوف بالعلم يعلو عن مستوى الأكتاف و مستوى الرؤوس..
في الصف الأول من المشيعين ضبّاط كثر يرتدون اللون الكحلي.. وراءهم يسير حشد كبير جداً من الناس..
غلب الفضول على التلميذ و اقترب من أحد المشيعين سائلاً عن اسم المتوفى..
أجاب الرجل: المقدم الطيار فايز منصور..
شعر الشاب بما يشبه الانفجار في رأسه..
هذا الرجل المسجّى في هذا التابوت المغطى بعلم الوطن كان بطله..
كان يسمع عن أخبار إعجازاته..
كان يعشقه دون أن يكون قد التقى به... كان يعشقه على السماع..
اغرورقت عينا تلميذ الثانوي الشاب بالدموع.. وجد نفسه دون أن يشعر منضمّاً إلى الجموع.. باكياً بحرقة .. ملوّحاً بقبضته.. صارخاً و مكرراً حتى وصول الموكب إلى مقبرة الدحداح:
لا إله إلا الله و الشهيد حبيب الله..
لا إله إلا الله و الشهيد حبيب الله...
خلال كتابته لهذه الذكرى.. بكى تلميذ الثانوي الشاب الذي أصبح اليوم كهلاً..
بكى من جديد...