لا بحر في طرطوس
هذا المقال نشره بتاريخ 8 تشرين الأوّل 2020 عن طرطوس، نبيل فياض الذي توفى أمس 21 آب 2022.
كان العيد بالنسبة لنا في الطفولة أن يصرح الأهل أننا ذاهبون غداً في رحلة بحرية إلى طرطوس.
طرطوس، لنا، كحماصنة، كانت الجنة.
لا أذكر اني شعرت يوماً وقتها برطوبة أو حر - كان البحر يلتهم كل شيء.
كانت ابنتا عم والدتي متزوجتين من شقيقين من آل عبد الباقي، من طرطوس. وكان طقسنا في تلك الرحلة هو ان ينقلنا خالي مروان بسيارته الستيشن إلى مدينة البحر، ثم تتولى دفة القيادة خالتي رتيبة، ذات الشخصية الجامعية المبهرة في قوتها. وكان عشقها ومعشوقها قلعة أرواد: يجب الذهاب إلى الجزيرة، بغض النظر عن حال البحر.
وحتى حين احترفت الوحدة بعد رحيل الاحبة، ظلت طرطوس كعبتي الصيفية حين أكون في سوريا في الصيف. لكن الحقيقة أنني لم أحتك قط بشعب طرطوس على الاطلاق، باستثناء التواصلات الطفولية مع أقاربنا الذين لا أعرف شيئا عنهم اليوم.
حين أجبرتني صحتي وبحثي عن مكان قد يساعد في تشافي جسدي وروحي، اخترت طرطوس. وهكذا، صرت في بصيرة، شمال المدينة الساحرة. لكن المفاجأة أن المرض أصر أن يفسد كل جماليات المكان، وتداخل الألم بالأرق بالشعور بقرب النهاية لخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي، زادت من الوضع سوءاً.
بالمقابل، تفاجأت بمدى معرفة الطراطسة بكتاباتي. وكانت هجمة طرطوسية حقيقية لم اعرف مثلها قط.
ما هذا الشعب؟
ما هذه المحبة؟
ما هذه الغيرية؟
صدقاً لا أبالغ، وبعكس حمص مثلاً، لم ألمس أي تعصب ديني أو مذهبي بين من زارني من طراطسة. كانوا جميعاً يتحدثون من منطلق نقدي تحليلي عما حصل في سوريا، ويؤكدون على العلمانية سبيلاً وحيداً لخروج سوريا من هذا النفق.
لن أذكر أسماء ولن أذكر بلدات وقرى. لا أريد أن أنسى أحداً. لكن هذا الحب كاف لغمر صحراء الربع الخالي او صحاري أفريقيا.
وصارت محافظة الشهداء.
في طرطوس، تحت كل زينونة، قرب كل شجرة برتقال، تهمس روح شهيد.
طرطوس، جميلة الجميلات، قدمت أولادها حفاظاً على بقاء وطن بحجم الحرية.
طرطوس، العروس الثكلى، ما تزال تنزف صباح مساء في انتظار أن تحبس عيناها دمع الحزن في ليلة فرح طويلة.
لكن طرطوس لم تحظ بما تستحق من غار وتقدير واجلال.
طرطوس تعاني.
هذا ما لمسته عند كل من رأيت.
دمشق أفضل من طرطوس في كل شيء: الأجور، الخدمات، الكهرباء... الخ. مع أن طرطوس، ناس طرطوس، شعب طرطوس- يستأهل أن يوضع في رمش العين، لأنه عانى وعانى وما يزال يعاني.
الألم الداخلي والخارجي حجبا عن عيني رؤية طرطوس وبحرها - لا بحر في الطرطوس.
البحر هو اللاتناهي، اللاتناهي هي الأزلية، الأزلية هي الحلم، الحلم هو مطلق السعادة.
اليوم، لم يعد الفرح مهنتي. والبحر انتقل إلى مناطق أخرى لا ينقصها صهيل جياد الشغف.