أدوات للجلد والقتل

إحسان عبيد:

أريد أن أسأل: من ذا الذي قال: بالسوط وحده يُجلد الإنسان؟.. وفي اعتقادي أن هناك وسائل للضرب والجلد واللسع كثيرة وكثيرة جداً نتعرض لها يومياً بشتى الطرق والأساليب.
.
• فإذا سمعت أغنية فيها زعيق ونعيق ونقيق ونهيق، فأنت بلا شك خاضع لعملية جلد حقيقية، في حين كنت تتوقع من الأغنية أن تنتشلك من واقع سكوني، وأن تطبع على محياك مسحة من بهجة النغم المنعش.
.
وإذا قرأتَ قصيدة ركيكة، منخورة المعنى، مهتوكة الوزن، تتشابه فيها المعاني بطريقة اجترارية سطحية مقيتة، فأنت خاضع أيضا لعملية جَلْدٍ حقيقية، في حين كنتَ تنتظر من القصيدة أن تسمو بك إلى أفق شعري ممتلىء، وتضعك في هالة قزحية الألوان، وبك رغبة أكيدة للبقاء في هذا الجو الشعري الآسر.
.
• وإذا جالست إنساناً مفروضاً عليك، ولديه طريقة دبقة في التعامل، يوحي إليك وكأنه جمع المعرفة بين دفتي كتاب.. يحدثك حديثا شبيها بكتلة من الخيوط المتداخلة، لا تعرف بدايتها من نهايتها.. وأمام هذا الواقع فإنك ستصاب – إضافة إلى الجلد – بنوع من الإمساك المعوي والفكري معاً.
.
• وإذا كان أحد الزوجين نكدياً ماهراً في فتح الملفات القديمة والحديثة، فيصبح الطرف الآخر عملياً داخل محكمة لا تغلق أبوابها طيلة 24 ساعة، وأمام وكيل نيابة لا يكل ولا يمل من مرافعاته.
.
فأي جلد للأعصاب أكثر من هذا؟
.
وعلى سبيل المثال نذكر القصة التالية:
.
هناك رجل مثقف هادىء، اشتهر بكثرة قراءاته ومطالعاته، كما اشتهر بشفافيته وإحساسه المرهف.. ذهب صباحا إلى الطبيب لإجراء بعض الفحوصات الدورية ، وعاد يحمل النتيجة الإيجابية، فالرجل سليم معافى، ولكنه توفي مساء ذات اليوم في مكتبته داخل منزله، وهو يقرأ أحد الكتب.
.
هل تعلمون سبب الوفاة؟
.
بعد التدقيق والتحقيق والتمحيص والتشريح، تبين أنه كان يقرأ كتاباً أدبياً رديئاً رداءة لا حد لها.. له عنوان خادع وفيه محتوى هابط مليء بالحشو واللغو والترهل وفساد التناول وضحالة المعالجة، فأصيب صاحبنا بالضربة الأدبية القاضية، فاحترقت كريات دمه وفاضت روحه إلى بارئها.
.
• نخلص إلى نتيجة أننا أمام عمليات جلد يومية تصل إلى حد القتل.. والمعروف أن الجلد بالسوط يتناول بعضاً من جغرافية الجسم، أما الجلد بغير السوط، فإنه يتناول كل خلية بجسمك دون رحمة أو شفقة.. من هامة الرأس إلى أخمص القدم.
.
• وإذا كانت منظمة الأنتربول العالمية تهدف إلى مكافحة الجريمة بشتى أنواعها وصورها، فالمطلوب إيجاد هيئة شبيهة للتحقيق بعمليات الموت المجهولة الأسباب، ومهمة هذه الهيئة أن تتحرى عن آخر أغنية سمعها الفقيد، وآخر قصيدة قرأها، وآخر إنسان جالسه وآخر حديث جرى بين الزوجين وآخر كتاب قرأه.. فبعض الأغاني والقصائد والأحاديث والجلساء والكتب يمكن أن تكون أدوات للقتل.
.
ومن المؤكد أن لديكم أسباباً وأدوات أخرى.