عن عشق مدينةٍ
د. عماد فوزي شعيبي:
أحارُ في علاقتي مع دمشق كيف أحبها سؤال لا يستقيم مع الحب لأن سؤال لماذا؟ وكيف؟ لا ينطبق على الشعور.
هي ليست المدينة التي ترتبط فقط بالطفولة لأنني نشأتُ في القاهرة، وأول نطقي كان بها، وعرفتُ بيروت صغيرًا. وقد زرتُ العديد من المدن، لكن دمشق سحرٌ يستبيح كلّ حضور!
عرفتُ من الحبِّ أنواعاً هي أربعين. هي ليست تسمياتٍ بل درجاتٌ
يبدأ الحبُّ بالهوى ثم العَلاَقَة ثُمَّ الكلَف وهو شِدَّة الحُبِّ ومن ثم هو العشْقُ وهو زيادة عما ندعوه الحبٓ ثُمَّ الشَعَفُ وهو إحْرَاقُ الحُبِّ القلْبَ مَعَ لَذَةٍ يَجِدُها المرء في تلك الحرقة فاللَّوْعَة بحُرقةِ الهَوَى ثمَّ الشَّغَفُ وهُوَ أنْ يَبْلُغَ الحُبُّ شَغافَ القَلْبِ ثُمّ الجَوَى وَهَو الهَوَى البَاطِن الذي يصبح داخل المرء وكأن الحب لقرينه جزءٌ من طبيعته وتكوينه، ثُمَّ التَّيْمُ وهُوَ أنْ يَسْتَعْبِدَ الحُبُّ المرء ثُمَ التّدْلِيهُ وهُوَ ذَهَابُ العَقْلِ لدى المرء مِنَ الحب، ثُمَّ الهُيُومُ وهُوَ أنْ يَذْهَبَ الواحد منا عَلَى وَجْهِهِ لِغَلَبَةِ الهَوَى عَلَيهِ
بكل درجات الحب أحبّ الشام.
بكل تلاوينه جوىً وتيماً وهيوماً تكون دمشقُ عرشاً للتاريخ.
ثمة مدنٌ عديدة هي مدنيات لكن الحاضرةَ هي دمشق. أزور المدنَ تلك لكنها مدنيات فيها الشوارع والمولات وكل شيء، حتى على مستوى إنسانية الإنسان أفضل، لكن دمشق ليست شيئاً
المدنُ التي تستطيع أن تخرج منها لم تجعلك تيْماً بها. لم تستعبدك بعد.
المدن التي تأويك منازلُ. لكن المدينة التي تهيمُ بها أوطانُ.
الحاضرات ليست أشخاصاً يجعلونك تكفر بها. مهما غلو وأساؤوا.
الحاضرات قيمٌة. تذّوقٌ. دمعةٌ تلفظها رغم الأسى بكبرياء ثم ترفع رأسك مزهواً بالمكان. لاشيء كشاعريات المكان، كجلال المكان. اذهب الى مدن تُشبه شامك قد تجدها جميلة لكن الجلالَ هنا. الجلال هو الجمال مصحوباً بالدهشة والحبور والسكيْنة.
كم دُمرت هذه المدينة؟! وأعيد بناؤها فوق الركام.
لماذا؟ يعاد بناء مدينة دمرت عشراتِ المرات بالحروب والزلازل. لماذ لم تُبن من جديد تدمر ولا ايبلا أو بترا... ولا العشرات من المدن الهامة.
ترى ألم تكن أعمدة تدمر أعلى من كل ما بني من دمشق؟ ألم تكن لتستهوي تلك الفخامة أحداً ليعيد بناء المدينة؟... الجواب واضح لأنها لم تكن دمشقَ.
لهذه المدينة الآسرةِ السحرُ البهاء الجلال...
هي مدينة وسطٌ بين كل القارات الثلاث أوروبا وآسيا وإفريقيا. هي مدينة بوزن مجرّة.
نُبالغ؟ فليكن
لكن على من يتهمنا بالمبالغة أن يأتينا بدمشق أخرى كي نُحب.
ألا أيتها المدنُ البائسة ارحلي عن شمسي فلاضياء إلا في دمشقي.
بعض العشق يُخفى… إلا عشق دمشق