ما كتبه قمر الزمان علوش عن الذهبي و الآغا و حداد

قمر الزمان علوش:

(ثلاثة كتاب سوريين أصحاب شهرة في الوسط الأدبي والثقافي كانوا في الفترة الأخيرة موضوعاً رئيساً في الصحافة الثقافية ووسائل الاتصال الاجتماعي، هم:
الكاتب الروائي خيري الذهبي بسبب وفاته (رحمه الله).
والكاتب الروائي فواز حداد بمناسبة إصدار روايته الجديدة.
والوزير السابق الكاتب رياض نعسان آغا بمناسبة ظهوره على الاعلام الخارجي للحديث عن ذكرياته مع "النظام" كوزير ثقافة ومستشار في القصر الرئاسي في عهد الرئيسين حافظ الأسد و الرئيس بشار الأسد.
أعرف الكتاب الثلاثة، و لي معهم لقاءات عديدة في مناسبات ثقافية وفنية كثيرة، وكذلك على الصعيد الشخصي.
وفي الحقيقة يستحق هؤلاء الكتاب المعروفين الكتابة عنهم وعن إنجازاتهم الأدبية، وكذلك حوارهم أيضا خصوصاً أنهم انحازوا إلى المعارضة الخارجية بقوة وحماسة بمواقف وكتابات تنبعث منها رائحة الكراهية والتعصب الطائفي، إن لم أقل الهيحان الطائفي البغيض.
بالطبع لست هنا بصدد المبادرة لكتابة شيء من هذا النوع لأنني منذ زمن قطعت كل جسور الحوار مع نخب المعارضة ومثقفيها بعد تجربة طويلة مليئة بالإحباط والخذلان وفقدان الأمل بالوصول إلى أي شكل من أشكال التفاهم معهم حول مايسمونه ثورة و ما نسميه نحن ثورة سوداء مضادة. و لقد وجدت أنه قد يكون من المناسب أن أذكر حدثاً شخصياً جرى معي جمع الشخصيات الثلاث في تفاصيله على اعتقاد بأنه سيكون كافياً لإعطاء المغزى، و إن المواقف التي بنيت على الحرب قبل حدوثها، كانت معدة بترتيبات مسبقة ولها ارهاصاتها.
ففي عام ٢٠٠٧ تقدمت برواية بعنوان "بريد تائه" إلى مديرية التأليف والنشر في وزارة الثقافة. وقد وافقت المديرية على قبول الرواية رقابياً من الناحيتين الفكرية والفنية، و أصدر السيد وزير الثقافة الأسبق الدكتور محمود السيد قراراً بشراء الرواية وطبعها بعد أن وقع العقد معي بهذا الخصوص. أُرسِلت الرواية إلى المطبعة مع كلمة كتبها الروائي فواز حداد كقارئ رقابي للنص أشار فيها إلى سحر هذه الرواية و أهميتها، ويذكر في الخاتمة حرفياً العبارة التالية: "رواية ساحرة جديدة كل الجدة وتتضاءل أمامها جميع الروايات العربية التي تنتمي إلى تيار الواقعية السحرية".
تأخرت طباعة الرواية بسبب الروتين والفوضى القاتلين في الوزارة زمناً طويلاً. وكان أن تغير الوزير محمود السيد وجاء بدلاً عنه الأستاذ رياض نعسان آغا الذي عيّن الدكتور عبد النبي اصطيف مديراً عاماً لهيئة الكتاب، و أول عمل قام به هذا المدير والأستاذ الجامعي هو ايقاف طباعة الرواية و إرسال تقرير خاص للوزير نعسان آغا يقترح فيه منع اصدارها بذريعة "احتوائها على مشاهد جنسية تتنافى مع قيمنا الاسلامية وتصدم حشمة دافع الضرائب السوري الذي رهن حياته للصلاة والصوم والعبادات الروحية".. هذا ماورد حرفياً في التقرير. وبالطبع جميع الوثاثق المرتبطة بهذه القصة التي تؤكد صحة تفاصيلها موجودة بحوزتي.
وفيما يبدو أخذ الوزير نعسان آغا هذا التقرير على محمل الاهتمام، وطلب من صديقه الكاتب خيري الذهبي ابداء رأيه في الرواية. فقال له الذهبي بالحرف الواحد مختصراً القصة ومافيها: "سيادة الوزير إني أربأ بك عن صدور هكذا روايه في عهدك لأنها ستجلب لك حتماً الانتقاد والاساءة"!
لم ينه الوزير الأمر عند هذا الحد، فطلب من مدير الهيئة اصطيف إرسال المخطوطة له ليقرأها بنفسه. و بعد أن قرأها قرر ايقاف طباعة و إصدار الرواية مع إعادتها إلى الكاتب مع الاعتذار. وصورة هذه المذكرةهي بحوزتي وبخط قلمه الأخضر.
لماذا أنا مصر على التأكيد على امتلاكي جميع وثائق هذا الملف؟
في تلك الأثناء استقبل وزير الثقافة رياض نعسان آغا في دمشق عدداً من وزراء الثقافة العرب والخليجيين. وفي حفل العشاء أحب كما يبدو أن يستعرض نفسه كآمر و صاحب نفوذ لايشق له غبار، فروى لضيوفه آخر قصة جرت معه وهي قصة روايتي. ومن جملة حديثه أنه راعه الانحلال الأخلاقي الذي فيها، فكتب مذكرة لمدير الهيئة بإيقاف طباعة الرواية وعدم إصدارها إلّا إذا وافق الكاتب على توزيع نسخها على المباغي ودور الدعارة العامة.
هذا يعني لتلذذه بالأنا ولإفراطه بنفخ الذات تحول إلى كاذب صفيق مع وقاحة وقلة أدب. وكاذب كهذا له سيرة لا أخلاقية قبل أن يكون شيئاً كيف يمكن تصديقه في تأريخ البلاد؟
أخذت مخطوطة الرواية و أرسلتها إلى دار نجيب الريس في بيروت، وقد أولاها الكاتب والصحفي رياض نجيب الريس (رحمه الله) اهتماماً خاصاً، و طلبني لزيارته للتعارف وكتابة العقد. وبعد أشهر قليلة كانت في مكتبات جميع عواصم الأقطار العربية.
و أذكر أنني كتبت يومها عن الانقلاب الرجعي في وزارة الثقافة وقلت: "و كان من العبث مناقشة صنّاع القرار الثقافي هؤلاء الذين لايملكون الحد الأدنى لا الملكة ولا الحس للتفريق بين الرواية الأدبية وكتاب الشريعة، بين غنى الأدب وجمالياته وبين أحكام أئمة المساجد وفتاواهم الشرعية، بين الكتابة الإباحية المباشرة وبين الوظيفة الفلسفية والرمزية للجسد الانساني كما وردت في الرواية. ويبقي السؤال مطروحاً: هل وصلت إلينا رياح طالبان سيئة الصيت؟ وهل بدأت هذه الرياح تهب في وزارة الثقافة التي تشكل الرأس المفكّر للبلاد؟ لقد قامت طالبان بإحراق الكتب وأشرطة الأفلام السينمائية وكاسيتات الغناء. فهل نحن مقبلون على مرحلة مشابهة بعد أن نجح السلفيون الزائفون في احتلال مراكز التحكّم بمؤسساتنا الثقافية وجعلها رهينة التخلف والظلام والمقابر؟
تذكروا جيداً أن العصر الذهبي للعرب في الأندلس بدأ بالأفول مع إحراق الكتب ومطاردة أصحابها، فهل يقُدِر لتلك الأزمنة أن تعود؟".
و للأسف قُدِر لتلك الأزمنة اللعينة أن تعود، فعادت بالفعل عام 2011 نكبة أكبر من كل النكبات و لايزال جرحها مفتوحاً و غائراً.. ولا نعرف إلى متى؟).