سليل الفينيقيين

  صفوان زين:

 خريف العام ١٩٨٢ أوفدتني شركتي الى لندن لمتابعة دورة قانونية مكثفة لمدة عشرين يوماً في التأمين البحري لدى إحدى الشركات المختصة في هذا الفرع الهام من فروع التأمين.
عقب انتهاء الدورة التي تابعها حوالي الخمسين من العاملين في كبريات شركات الملاحة العالمية ومن جنسيات مختلفة، دعا مدير عام الشركة المضيفة عدداً مختاراً من المشاركين بالدورة لا يتجاوز العشرة، كنت واحداً منهم والعربي الوحيد بينهم، الى عشاء وداعي في أحد المطاعم اللندنية الراقية. فوجئت بأن مقعدي على الطاولة كان إلى جانب زوجة المدير العام، وقد لفت نظري للحال جمالها الإنكليزي المميز. تبادلتُ ومضيفتي الحديث في مواضيع شتى، واكتشفتُ مع مرور الوقت كم كانت ذكية ولماحة وصاحبة روح مرحة.
كنا نستمع اثناء العشاء إلى عازف على البيانو لموسيقى ناعمة، كانت مناسبة لأن تسألني عن نوع الموسيقى التي أفضل سماعها، أجبتها بثقة و دون تردد "الكلاسيكية"، ومن هو الموسيقار المفضل لديك؟ أجبتها ايضاً بثقة وبلا تردد "موزارت"، وأي من اعمال موزارت تفضل؟ هنا طارت الثقة وحل التردد، تلعثمتُ قليلاً ثم سرعان ما أسعفتني ذاكرتي باسم "دون جيوفاني" وهي أوبرا شهيرة لموزارت لم أكن حتى ذلك الوقت قد سمعتها على الإطلاق، أبدت إعجابها بذوقي وهمت بأن تناقشني في تفاصيلها لولا أن زوجها أنقذني في تلك اللحظة بالذات عندما نهض كي يلقي كلمة مجاملة مختصرة متمنياً على كل مدعو أن يقدم نفسه مع لمحة سريعة عن الشركة التي يمثلها والنشاط الذي تغطيه.
من سوء حظي أني كنت المتحدث السابع أو الثامن على ما أذكر، كل من سبقني تحدث بفخر واعتزاز عن عشرات السفن وعن المحيطات الخمس التي تمخر تلك السفن عبابها وعن عشرات المرافيء التي تؤمها وعن آلاف الحاويات التي تنقلها. عندما أتى دوري للحديث لم يكن من خيار أمامي سوى الاستنجاد بالماضي للتعويض عن تواضع الحاضر. لقد اخترت الذهاب بعيداً وبعيداً جداً في أغوار الماضي.
بعد أن قدمت نفسي و شركتي إلى المدعوين، التفتُ إليهم يمنةً ويسرةً مخاطباً إياهم على طريقة ونستون تشرشل عندما كان يخاطب أعضاء البرلمان البريطاني، وقلت لهم بالحرف الواحد: سيداتي وسادتي، صحيح أنني أمثّل شركة ملاحية سورية صغيرة ومتواضعة الإمكانيات غير أني افخر بأن أكون سليل أولئك الفينيقيين العظام الذين سادوا البحار لمدة تزيد عن الألف عام وذلك قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة عام من الآن، لقد عرفوا التأمين البحري قبل اللويدز الإنكليزي بآلاف السنين ووصلت سفنهم حتى الشواطيء الجنوبية لبريطانيا، لقد شحنوا لكم الصباغ الأرجواني السوري الجميل مقابل القصدير الإنكليزي، كم كانت شحناتنا رومانسية بالمقارنة مع شحناتكم.
قوبلت كلمتي بتصفيق حاد من الحضور وانهالت التهاني على سليل الفينيقيين بمن فيهم جليستي الانكليزية الحسناء التي توجهت إليّ ضاحكة: إذن انت فينيقي، لاحظت منذ البداية بأن ملامحك ليست عربية تماماً، إنما لم أتصور ابداً أن فينيقياً من لحم ودم قد بُعث أمامي، أجبتها: نعم يا سيدتي، أنا فينيقي إنما للأسف دون صباغ أرجواني.