أن تموت وحيداً... مأساة تقسو على الموت
أحمد غانم:
ما زلت أتذكّر حوارات أيام.الشباب وذاك الحماس الذي انتهى باليأس بعد نضجنا. ولكنه ظل أكثرنا حماساً وايماناً بما كنا نسميه المبادئ الثورية. فكان انكساره حاداً و إنه خدع أو كان يخدع نفسه. لم نكن سيئي النية حين احترمنا قراره بالابتعاد والعزلة لوقت يعيد فيه تصفية بعض الحسابات. ولكنه كعادته آمن بالعزلة كما آمن بمبادئه، وكان ايمانه في الحالتين حاداً وانكساره أكثر حدة. لم تفلح محاولاتنا؛ وربما لم نكن جادين كما ينبغي في محاولاتنا لإخراجه من صومعته. احترمنا نسكه أو اتخذنا ذلك تبريراً لتقصيرنا ونحن مشغولون في شؤون الحياة، وهذا لم يكن خيارنا بل هو الواقع الذي لم نحسن بناءه كما يجب ولم نحسن عيشه كما يجب.
لم يتزوج على الرغم من إلحاحنا وبعد يأس احترمنا قراره الشخصي. ظل يعيل والده ووالدته و أخته إلى أن رحلوا فبقي وحيداً، وبقينا بعيدين عنه.
أن تموت وحيداً تلك مأساة تسبق الموت وتتفوق عليه في القسوة. فالموت رحيم إذ يأخذ وعيك قبل أن يسلبك روحك. ولكن أن تموت وحيداً أمر لا يمكن وصفه بل يعاش فقط.
أخجل من نفسي إن تساءلت عن شعورك وقد ارتطم رأسك ببلاط منزلك و أنت عاجز عن الحركة تنزف وتترقب الموت دون أن تمتد يد تساعدك على النهوض أو تمسح دمعة وداع ذرفتها عيناك و أنت تستعد للرحيل، أو حتى تمسح على رأسك وتطبق عينيك الشاردتين الحزينتين.
ولن أسأل عن شعورك وروحك قد فارقتك و أنت ما زلت ملقى على الأرض وحيداً لأيام عديدة دون أن يثير غيابك أي سؤال!... فالموت رحيم لأنه يفقدنا شعورنا بالألم.
ولكني لا أستطيع إلّا أن أسأل تلك الصخرة التي تلقت رأسك كيف لها أن تكون بهذه القسوة؟
رحمك الله صديقي الطيب علي سعد فقد عشت بكرامة على الرغم من كل الخذلان الذي لقيته.