نصر شمالي: من وحي أحزاني الخريفية

قبل أكثر من نصف قرن، في ضحى يوم 13-11-1970 انطلقت عملية الانقلاب في سورية (الحركة التصحيحية) بداية باعتقال اللواء صلاح جديد وعدد من رفاقه أعضاء القيادة السياسية..

وقد جرى اعتقالي أيضا عصرا في اليوم نفسه.. أي قبل الإعلان رسميا عن الحركة بثلاثة أيام..
وعلى مدى تلك الأيام الثلاثة، وأنا موقوف في قيادة الشرطة العسكرية، عرضوا علي تكراراً تأييد الحركة وتسلم منصب وزاري، فاعتذرت، ونقلوني إلى سجن المزة العسكري فجر يوم 16-11-1970، وبعد حوالي خمسة أشهر أخلي سبيلي، إنما بقيت تحت المراقبة الشديدة المكشوفة على مدار الساعة.. وحينئذ، وقد كنت ذات مرة أسير على الرصيف في دمشق في سوق الصالحية وحيداً حزيناً ذاهلاً، أتابع مظاهر البهجة والاحتفالات العامة المفتوحة المستمرة بالانقلاب، حدثت نفسي متسائلاً بأسى شديد: "هل كنا حقاً سيئين إلى هذا الحد الذي يستحق كل هذه الاحتفالات بالانقلاب علينا؟ وهل يعقل أن كل هؤلاء الناس المبتهجين على خطأ ونحن وحدنا على صواب؟ وهل يعقل أن تخطىء الشعوب والأحزاب بأكثريتها في مواقفها؟"!.. وفجأة اعترض طريقي صديق محب نظر إلي مبهوتاً وقال مبتسماً مستغرباً متهكماً: "ماذا تفعل هنا؟ أتدري أن منظرك نشاز في الشارع؟ أمثالك يفترض أنهم زالوا من الوجود"!..
وبعد فترة قصيرة صرت في السجن للمرة الثانية، من دون تهمة ولا تحقيق ولا محاكمة لخمس سنوات (لمجرد أنني أرفض المشاركة في العمل السياسي في منصب عالي!)..
وعندما دخلت الزنزانة الانفرادية حيث سأقضي سنوات استندت بظهري إلى الجدار مسترخياً، وأخذت نفساً عميقاً، وزفرته بارتياح وأنا أتذكر ما قاله ذلك الصديق لي في شارع الصالحية، وحدثت نفسي: "فعلاً هذا هو مكاني الطبيعي، أو القبر"!..
وتساءلت مرة أخرى: "هل يعقل أن تكون جميع الأحزاب المؤيدة للانقلاب على خطأ، وأن تكون أكثرية الشعب على خطأ، ونحن الأقلية على صواب؟"!.. وفي ما بعد، بعد سنوات، أدركت أنه يمكن أن يحدث وتخطىء الأكثرية في مواقفها، ويمكن أن يحدث وتكون فئة قليلة من الناس على صواب!