احسان عبيد: سورية الحلم
جاءت ذكرى الثامن من آذار التي كانت تعقد فيها المسيرات والهتافات والخطابات الطنانة والرنانة، وتعطل فيها المدارس والمعامل ودوائر الدولة مع خسائر لا تحصى بالإنتاج، كل ذلك لترتفع راية الحزب الذي إلى الآن لم يحرك ساكنا في سياسته – تقويما أو مراجعة - رغم سنوات الحرب السوداء، وكأن منتسبيه فوق الشبهات، وباقي المواطنين من الهنود الحمر.
.
لا يستطيع أحد التكهن متى ستنتهي هذه الحرب القذرة في سورية، والفرصة مازالت قائمة كي يضع حزب البعث وباقي الأحزاب الأخرى تصورا مرفقا بخطة عمل لسورية المستقبل.. سورية الحلم.. وإذا لم يشتغلوا على هذا التصور منذ الآن ويتدربوا عليه، فكأنك يا بو زيد ما غزيت.
.
الخطوات التجريبية التي جرى التخبيص فيها بالماضي أصبحت الآن مرفوضة.. كفانا تجريبا وتعفيسا وتخبيصا وتجاهلا للمسؤولية، وكأننا حرس نائمون.. لم يعد يكفي القول (والله غلطنا).. الغلط غير مسموح به بعد الآن.. جميع الأحزاب التي تنطعت لمسؤولياتها يجب أن تمشي بتوازن واعٍ لتأخذ دورها وكأنها تمشي على حبل سيرك، أمام المجتمع المدني.
.
النقابات التي ألفناها في السابق كانت مجتمعا مدنيا مزورا ومتخاذلا ومخصيا ومطواعا لخدمة الحزب والدولة، لا يجرؤون على النقد أو الاعتراض، مكتفين بالهتاف والتصفيق وشكر الدولة على السيارات والسكن المجاني ونعمة الرواتب والمراكز الاجتماعية المميزة.
.
الجهاز الحكومي المترهل الذي عهدناه لن ننتظر منه مجاراة المرحلة المقبلة والنهوض بها، هذا الجهاز كان وسيبقى القناة والذراع التنفيذية للقرارات، فالقرار السليم لن يبقى سليما إذا وصل عبر قناة ملوثة.. لأن جماعة هذه القناة سيشوهونه ويخترقونه ويحرفون مجراه حتى تنعدم القثة فيه وبمفاعيله... إن قرارا واحدا يصل بشكل سلبي يحتاج إلى 20 قرار إيجابي لتصحيحه.. نحن بحاجة إلى انقلاب شامل بالقوانين الناظمة لعلاقة الدولة بالمواطن.
.
سابقاً، وحتى اليوم، لم يكن أحد عندنا معنيا بإرضاء الزبائن (الشعب)، وتقديم الخدمة المميزة له ولو بابتسامة، فالرضى وعدمه سيان.. أما في سورية الجديدة فيجب أن تختلف اللعبة .. لأن جميع العيون أصبحت مفتوحة ، وجميع الجروح بحاجة للتقطيب والدواء، وجميع النفوس والخواطر بحاجة إلى تطييب وتهدئة بعد الذي جرى.. لقد راحت السكرة وجاءت الفكرة.
.
سابقا، وحتى اليوم، لم يكن الموظف عندنا معنيا بإرضاء الزبائن (الهنود الحمر)، وتقديم الخدمة المميزة لهم ولو بابتسامة، فالرضى وعدمه سيان عنده، خاصة إذا كان مسنودا.. أما في سورية الجديدة فيجب أن تختلف اللعبة.. لأن جميع العيون أصبحت مفتوحة، وجميع الجروح بحاجة للتقطيب والدواء، وجميع النفوس والخواطر بحاجة إلى تطييب وتهدئة بعد الذي جرى.. لقد راحت السكرة وجاءت الفكرة.
.
الأمل كبير من جميع الأحزاب والفعاليات أن يقوموا بمراجعة فاحصة للماضي، وبتصور جاد وعلمي وموضوعي للمستقبل الذي نحلم به..
.
فيدل كاسترو قال: إنني لن أحلق ذقني حتى تصنع كوبا شفرات وماكينات الحلاقة.. توفي الزعيم ولم يحلق ذقنه.. فهل سنموت نحن وذقوننا طويلة؟
.
لن نجد دولة أكثر شطارة منا في تعبئة الناس للقيام في مسيرات شعبية ومهرجانات خطابية، لكننا عندما نحتاج إبرة الخياطة نستوردها من الصين، في حين أن تكلفة كل مسيرة كافية لشراء معمل لصنع إبر الخياطة.
.
إننا نحلم بمجلس شعب يحاسب مسؤولي الدولة الكبار منهم والصغار على نفقاتهم ومصاريفهم، وبمجتمع مدني نسند ظهرنا له بثقة، وبإعلام يبتعد عن التبعية للحكومة، دون أن يتآمر عليها مقابل رزمة من الدولارات.