علي يونس: حركة 23 شباط 1966م
واجه حزب البعث عقب ثورة الثامن من آذار عام 1963 عددا من التحديات تم التغلب على معظمها.... إلا أن التحدي الأكثر تأثيرا كان الصراع الداخلي في الحزب أو بين ما يعرف بالقيادة القومية التي كان أمينها العام ميشيل عفلق وبين القيادة القطرية التي كانت تسيطر عليها اللجنة العسكرية, وكانت تضم عددا من الضباط الذين لعبوا الدور الأساسي في ثورة 8 آذار, وكانت تضم بادئ الأمر(5) ضباط هم: العقيد محمد عمران والرائدان صلاح جديد واحمد المير, والنقيبان حافظ الأسد وعبد الكريم الجندي. وخاض الطرفان صراعهما في إطار الحزب, حيث استطاع الضباط انتزاع السلطة النهائية من يد القيادة القومية ووضعوها في يد القيادة القطرية, ثم عقدوا مؤتمرا قطريا في آذار عام 1965 لإقرار مبدأ كون الحكومة خاضعة كليا للحزب وإن الأمين القطري يجب أن يكون حكما رئيسا للدولة وان القيادة القطرية هي التي تعين رئيس الوزراء والوزراء ورئيس الأركان وكبار القادة العسكريين.
وحاول عفلق ان يواجه العسكريين للحد من سيطرتهم على الحزب فدعا الى مؤتمر قومي في ايار عام 1965 غير أن أعضاء القيادة من غير السوريين نصحوه بالحذر خوفا من إبعاد العسكريين في الحزب المدنيين وأقنعوه بان يلتزم الهدوء وبان يتخلى عن منصب الأمين العام الذي شغله لمدة 18 عاما, وخلفه الطبيب والكاتب الأردني منيف الرزاز, الذي حاول ردم الهوة بين المتناحرين داخل الحزب من خلال اجتماعات مشتركة للقيادتين القومية والقطرية, لكن دون جدوى.
إلا انه بعد ذلك أعيد خلط الأوراق على يد الفريق أمين الحافظ (عضو في اللجنة العسكرية) بشكل غير متوقع, فقد كان الحافظ يشغل عدة مناصب كرئيس مجلس الرئاسة والأمين العام للقيادة القطرية, والقائد العام للجيش ورئيس الوزراء, فيما كانت اللجنة العسكرية تعتبره بأنه رجل من قش بدون قاعدة سياسية أو خلفية حزبية, فقام الحافظ بالتخلي عن اللجنة العسكرية وانضم إلى الأعضاء القدامى في الحزب, الذين كانوا بحاجة إلى سند عسكري, وهذه الخطوة وضعته فورا على طريق المجابهة مع اللجنة العسكرية ورجلها القوي صلاح جديد الذي كان يخفي سلطته وقوته وراء منصب الأمين القطري المساعد. وفي كانون الأول من عام 1965 أصدرت القيادة القومية قرارا منعت بموجبه القيادة القطرية من إجراء أي نقل او تسريح للضباط من الخدمة بدون الحصول على إذن من القيادة القومية, كما قام الرزاز بدعوة القيادة القومية إلى اجتماع طارئ لإصدار قرار بحل القيادة القطرية, وعينوا قيادة كاملة جديدة لسورية إذ أعادوا البيطار إلى رئاسة الوزراء وجعلوا الفريق أمين الحافظ رئيسا لمجلس رئاسي جديد, واستدعي الضابط محمد عمران الذي طرد من اللجنة العسكرية من مدريد, حيث كان يشغل منصب سفير, وعين وزيرا للدفاع وقائدا أعلى للقوات المسلحة, وتم تعيين منصور الأطرش رئيسا لمجلس وطني موسع للثورة واستبعد منه أعضاء اللجنة العسكرية, فيما لم يعبأ الفريق الأخر بهذه التعيينات.
وفي 21 شباط عام 1966 بدأت المصادمات بين القيادة القومية والضباط, وذلك بناء على قرار لوزير الدفاع محمد عمران يقضي بنقل(3) ضباط مؤيدين لصلاح جديد هم اللواء احمد سويداني, والعقيد عزت جديد من سلاح الدبابات, والرائد سليم حاطوم قائد وحدة المظلات.
وقامت اللجنة العسكرية بالرد على هذا القرار من خلال الهجوم على منزل امين الحافظ في 23 شباط, حيث استسلم بعد مقاومة شرسة منه ومن حراسه, واقتيد هو وعمران والقادة الموالين لهم الى سجن المزة, كما وقعت مصادمات مماثلة في عدد من المدن إلا ان اللجنة العسكرية حسمت الأمر لمصلحتها..
وقد أصدرت صحيفة البعث الصادرة في 24 شباط عام 1966 بيانا جاء فيه:
( إن ثورة 8 أذار ثورة حقيقية على التخلف والتجزئة وحربا على الاستعمار والرجعية وانتصارا لإرادة جماهير الشعب الكادحة على مستغليها وتحقيقا لأهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية. إن حزب البعث الذي فجر هذه الثورة وخاض معارك قاسية مع أعداء الشعب لحمايتها كان يتوقع ان يلجأ أولئك الأعداء إلى التسلل خلف الصفوف والاستعانة بمن ركبوا المد الثوري دون قناعة أو إيمان, ومن خلال نزعات التسلط والفردية ومن خلال المترددين الجبناء والمرتبطين فكريا وتاريخيا مع مدارس الاحتراف السياسي.
وأشار البيان المؤقت للقيادة القطرية المؤقتة لحزب البعث ان قوى الرجعية والتخلف حاولت ان تنفذ الى قلب الثورة لتحرفها عن طريقها الحتمية وتقودها الى هاوية الحكم الفردي واسلوب المساومة والارتماء, وان استطاعت هذه القوى ان تنفذ الى الحزب عن طريق فردية امين الحافظ وتخاذل محمد عمران ويمينة صلاح البيطار وأنانية ميشيل عفلق, وتمكنت من جر الحزب خلال الأشهر الأخيرة إلى حافة التمزق والضياع فان الحزب الذي حمى ثورته من كل خصومة لم يكن غافلا عن تآمر هؤلاء. ان الحزب قد صبر على هؤلاء شهرين يحذر وينبه, قدمت لهم المذكرات من جميع فروع الحزب المدنية والعسكرية داخل القطر وخارجه فأصموا آذانهم عنها, طلب منهم عقد مؤتمر قطري لمعالجة ما أقدموا عليه فرفضوا وهددوا بفصل كل من يحضر المؤتمر. طلب منهم عقد مؤتمر قومي كأعلى سلطة في الحزب فرفضوا, طلب منهم عقد دورة استثنائية للمجلس الوطني فرفضوا وكان جوابهم دائما مزيدا من الإمعان في تخريب الحزب والثورة, بل ازدادوا تآمرا وبدأ كل من الحافظ وعمران على تناقضهما الأكيد يغذيان الطائفية والعشائرية والإقليمية في الجيش ويقيمان التكتلات والتحالفات مع خصوم الثورة وأعدائها لضرب الثورة وحزبها القائد.
وتابع البيان ان عفلق والبيطار ازدادا تآمرا وتخريبا على الصعيد السياسي والشعبي فاتهموا الحزب وزرعوا التفرقة في صفوفه ومدوا يدهم الملوثة إلى كل انتهازي رخيص او عدو متآمر واستعانوا بهم على الحزب وثورته.
وأعلنت القيادة القطرية المؤقتة في ختام بيانها التزامها التام بمقررات مؤتمرات الحزب القومية والقطرية والمنهاج المرحلي والبيان الوزاري للحكومة السابقة, ومحاسبة كل الذين اساؤوا إلى للثورة والشعب... وإحالة المعتقلين إلى محكمة حزبية عليا خاصة..
الرحمة للشهداء...
كل عام انتم وحزبنا وقائدنا وشعبنا وقواتنا المسلحة بألف خير.