الهند.. استثمار الإرث الاستعماري في بناء الدولة المرنة

فراس حمدون

مقدمة البحث: النظرة التقليدية للشعب الهندي من الواقع الخليجي.
تتأثر الرؤية السائدة في منطقتنا للشعب الهندي بالصورة النمطية التي تشكّلت عبر عقود في دول الخليج العربي؛ حيث يُختزل هذا المجتمع الملياري في إطار "العمالة الخدمية والحرفية البسيطة".
ورغم ما تعكسه هذه الصورة من كفاح إنساني مرير لعمالة تعيش ظروفاً صعبة لتأمين عائلاتها في الهند، إلّا أنها تظل نظرة قاصرة تُغيب الأبعاد الفكرية والاستراتيجية لأمة عظيمة.
هذا القصور المعرفي جعلنا نغفل عن ملحمة هذا الشعب الذي قاده "المهاتما غاندي" برؤية وطنية وفلسفية فريدة؛ فبعد أن قاد النضال للتحرر من الجغرافيا الاستعمارية، زرع في الوجدان الهندي فلسفة المواجهة الذكية.
والتي تجلّت لاحقاً في قدرة الدولة على ترويض تركة المستعمر البريطاني، وتحويل لغته وإرثه الإداري من أدوات هيمنة سابقة إلى "غنيمة حرب" وسلاح استراتيجي اقتحموا به المنظومات الدولية.
1- ديموغرافيا الهند واستثمار الإرث الاستعماري
تحتضن الهند الكتلة البشرية الأكبر عالمياً بتعداد يتجاوز 1.47 مليار نسمة (سدس سكان الأرض)، في تباين ديموغرافي فريد يضم حوالي 2000 مجموعة عرقية و1600 لغة (من بينها 22 لغة رسمية يعترف بها الدستور)،
وتنوع ديني يجمع الهندوسية والبوذية والسيخية مع أكثر من 200 مليون مسلم وملايين المسيحيين، يعيش غالبهم (62%) في ريف شديد البساطة.
1- تكمن العبقرية السياسية للهند في كيفية تعامل عقدها الاجتماعي مع إرث الاستعمار البريطاني. فبينما غرقت دول كثيرة في عقدة الرفض الثقافي للمستعمر، تفوقت الهند براغماتياً؛
حيث نصّ الدستور على إدخال اللغة الإنجليزية لغة رسمية ثانية وسياقاً للتعليم العالي والتقني.
لقد طوعت الدولة أداة الهيمنة السابقة وحولتها بذكاء إلى "غنيمة حرب" وسلاح استراتيجي؛ مما منح العقول الهندية جواز عبور لغوي فوري لاختراق وإدارة كبرى المنظومات الاقتصادية، العلمية، والتكنولوجية الدولية دون أدنى عوائق.
ومهد هذا التقدم العلمي المعرفي الهائل للهند لكي توظف عبقريتها البرمجية والتقنية في مجالاتها الاستراتيجية؛ الأمر الذي مكنها من صناعة قنبلتها النووية محلياً وبميزانيات ذكية، لتدخل بذلك النادي النووي العالمي وتصبح إحدى القوى النووية الكبرى المؤثرة في الخارطة الدولية.
2- مستعمرات الشركات التكنولوجية في الهند "مايكروسوفت" واختراق العقل الغربي
يتجلى الجانب المضيء والاستثنائي للشعب الهندي في قفزته العلمية الهائلة التي بدأت ملامحها تتضح عالمياً منذ نهاية القرن الماضي ومطلع الألفية.
بالعودة إلى ما طرحه الدكتور سامي الخيمي في محاضرته بمدينة حماة عام 2000م بمؤتمر المعلوماتية، واهتمامه الكبير بهذه الظاهرة، نجد تفكيكاً دقيقاً لظاهرة "مستعمرات العقل قبل الجغرافيا".
فشركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها مايكروسوفت، لم تعد تنظر للهند كخزان للعمالة البدنية، بل كمنجم للذكاء البرمجي والمطورين الرقميين.
قامت هذه الشركات في ذلك الوقت ببناء مدن تكنولوجية متكاملة ومعزولة داخل الهند (مثل بنجالور)، شُيدت خلف بوابات "كامبوند تكنولوجي" تفصل تماماً بين واقع الحياة الهندية البسيطة بالخارج، وبين بيئة حداثية غربية بالداخل تحوي بالإضافة الى مواقع الابحاث العلمية و المختبرات، المطاعم والمقاهي والأطعمة والأنماط المعيشية الغربية.
كان الهدف من هذه الصياغة البيئية هو جعل العقل الهندي المبدع يعمل ويبرمج وهو يحاكي تماماً طريقة تفكر ونمط عيش المجتمعات الغربية المستهلكة لهذه البرمجيات "حتى بالطعام من خلال ترسيخ ثقافة الطعام بجعل الهمبرغر وجبتهم الرئيسية".
لم يعد الهنود اليوم مجرد منفذين للبرمجيات، بل تحولوا إلى قيادات تقود المنظومات الغربية في الدول المتقدمة وتوجه دفتها،
لتصبح هذه "المستعمرات" منصة انطلاق لاختراق المشهد التكنولوجي العالمي، والسيطرة على جزء كبير منه.
خاتمة: مرونة العقد الاجتماعي "الدولة والمواطنين" أمام الاختبارات الصعبة
لكي لا يبدو البحث مثالياً بشكل مفرط، من الجيد الإشارة إلى أن هذا العقد الاجتماعي الهندي ليس وردياً طوال الوقت؛
فهو يواجه اختبارات قاسية جداً (مثل صعود التيارات القومية، أو التوترات الطائفية بين الهندوس والمسلمين من وقت لآخر).
وهنا يتجلى المحك الحقيقي؛ فقوة الدولة وعظمة عقدها الاجتماعي لا تكمن في إلغاء المشاكل نهائياً، بل في قدرة وصمود مؤسساتها (الدستور، القضاء، والبرلمان) على امتصاص هذه الهزات الكبرى، واحتوائها بالكامل تحت سيادة القانون وصندوق الاقتراع.
إن هذا العقد المرن هو الذي يحمي التنوع الملياري من الانزلاق إلى الحرب الأهلية، التفكك، أو التقسيم؛ ليثبت للعالم أن قوة الأوطان واستمراريتها لا تصنعها جينات متفوقة فقط، بل مؤسسات قوية وقادرة على صهر طاقات الكادحين والنخب معاً في خدمة الاستقرار والتطور.