من "عمال ضيوف" إلى بناة اقتصاد.. رحلة الجالية التركية في ألمانيا وهندسة العودة العكسية (1961 - 2000)
فراس حمدون
يشكل الاطلاع على تفاصيل التجربة التركية في ألمانيا، والتي نلخصها في هذا البحث نقطة اهتمام محورية وعميقة لنا كسوريين اليوم.
إن هذه الدراسة لا تقف عند حدود السرد التاريخي، بل تمثل استشرافاً لأحد الحلول المستقبلية الممكنة لبلادنا؛ حيث تتقاطع الظروف الإنسانية والديموغرافية (رغم اختلاف أسباب وطبيعة الهجرتين كبداية ) بشكل كبير.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الجميل والمفيد جداً عرض مثل هذه التجارب العالمية الرائدة وتفكيك آلياتها لعلها تكون حجر زاوية وخارطة طريق نستفيد منها مستقبلاً في استثمار طاقات اغترابنا السوري وتحويل الشتات القسري الحالي إلى رافعة حقيقية للنهوض وإعادة البناء.
المبحث الأول: طبيعة الهجرة الأولية والعيش في مجتمعات منغلقة (الجيل الأول والثاني)
1. اتفاقية "العمال الضيوف" عام 1961
بدأت القصة رسميًا في أكتوبر 1961، عندما وقعت جمهورية تركيا وألمانيا الغربية اتفاقية توظيف العمالة. كانت ألمانيا تمر بمرحلة النهوض السريع "المعجزة الاقتصادية" بعد الحرب العالمية الثانية وتواجه نقصًا حادًا في الأيدي العاملة، بينما كانت تركيا تعاني من نسب بطالة مرتفعة ونمو سكاني سريع.
الأعداد والتدفق: تدفق مئات الآلاف من العمال الأتراك و بحلول عام 1973 كان هناك أكثر من 800 ألف تركي في ألمانيا. واليوم، يتجاوز عدد الألمان من أصول تركية 3 ملايين نسمة.
العمال الأتراك تركزوا في إقليم الرور (Ruhrgebiet) الصناعي. هذا الإقليم كان قلب ألمانيا النابض بالصناعات الثقيلة، وهناك تحديداً تشرب الأتراك الأوائل قساوة الانضباط الصناعي داخل مناجم الفحم ومصانع الصلب قبل الانتقال لصناعة السيارات و الانشاءات.
2. التركيبة النفسية الأولية والعيش في مجتمعات منغلقة
- وهم المؤقتية (صندوق الغربة): كان الشعار السائد لدى الجيل الأول هو "سأعمل لبضع سنوات، أشتري بيتًا أو جرارًا زراعيًا، ثم أعود للوطن". هذا الوهم جعلهم يعيشون بأجسادهم في ألمانيا وبعقولهم في تركيا.
- تأسيس "تركيا المصغرة":بسبب حاجز اللغة، وعدم رغبة الحكومة الألمانية آنذاك في دمجهم (لاعتقادها أنهم سيرحلون)، تجمّع الأتراك في أحياء محددة و أسسوا مجتمعاتهم الخاصة: مساجد، مقاهٍ، محلات ،مطاعم وصحف تركية.
- صدمة الجيل الثاني: وجد الجيل الثاني نفسه ممزقًا بين ثقافة الآباء المحافظة داخل البيت، والثقافة الألمانية المنفتحة في المدرسة والشارع، مما خلق أزمة هوية حادة، لكنه في الوقت ذاته أنتج جيلًا يتحدث الألمانية بطلاقة وفهم "السيستم" أو طريقة التفكير الأوروبي.
المبحث الثاني: استراتيجية تورغوت أوزال والهندسة العكسية لجذب العقول والأموال
ومع مطلع الثمانينيات، وتحديدًا بعد تولي تورغوت أوزال رئاسة الوزراء (1983 - 1989) ثم رئاسة الجمهورية، بدأت النظرة التركية للمغتربين تتغير من "مصدر لحوالات العملات الأجنبية" إلى "رأسمال بشري ومعرفي واقتصادي استراتيجي".
1. بدأت الحكومة التركية في منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات في صياغة قوانين وتشريعات موجهة خصيصًا لأبناء وأحفاد المغتربين الذين نهلوا من العلم والخبرة الفنية والتكنولوجية الألمانية (صناعة السيارات، الميكانيكا الدقيقة، إدارة خطوط الإنتاج).
2. التسهيلات والإغراءات الاقتصادية والقانونية: أدرك أوزال أن العاطفة وحدها لا تكفي لإعادة العقول والأموال، فقدم حزمة حوافز عملية تضمنت:
- تأسيس المناطق الصناعية المنظمة :تم تجهيز بنية تحتية متكاملة (كهرباء، ماء، غاز، شبكات نقل) في محافظات الأناضول، وتقديم قطع أراضٍ ومخططات جاهزة للمستثمرين من أبناء المغتربين بأسعار رمزية أو تسهيلات سداد طويلة الأجل.
- الإعفاءات الجمركية والضريبية: سُمح للمغتربين العائدين بإدخال آلات ومعدات مصانعهم وخطوط الإنتاج التي يشترونها من ألمانيا بإعفاء جمركي كامل، بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية على الأرباح في السنوات الأولى للمشروع.
- تسهيلات قانونية :لمعالجة مشكلة فقدان الجنسية التركية لمن تجنسوا بالألمانية (حيث كانت ألمانيا تمنع ازدواج الجنسية سابقًا)، استحدثت تركيا "البطاقة الزرقاء" التي تمنح المغترب كافة حقوق المواطن التركي (الإرث، التملك، العمل، الاستثمار) باستثناء الانتخاب والخدمة العسكرية، مما أزال العوائق القانونية أمام استثماراتهم.
التجربة كانت ناجحة بامتياز اقتصادياً وتنموياً لتركيا، حيث ساهمت في قفزة التصدير التركية ونقل التكنولوجيا. لكن على الصعيد البشري
المبحث الثالث: تأسيس مجتمع تركي قوي موازي في ألمانيا.
- الهجرة العكسية كانت "جزئية" وليست شاملة؛ فالكثير من الأحفاد فضلوا البقاء في ألمانيا، لكنهم تحولوا إلى "جسر اقتصادي" يربط بين الشركات الألمانية والمصانع التركية في الأناضول عبر تأسيس شركات استيراد وتصدير مشتركة.
- مجتمع تركي قوي في ألمانيا. رغم التحديات، وصعود التيارات اليمينية، وموجات العنصرية، إلا أن الجالية التركية اليوم في ألمانيا أسست مجتمعاً قوياً:
- النفوذ الاقتصادي والسياسي: الأتراك في ألمانيا اليوم ليسوا مجرد عمال؛ هم أطباء، ومهندسون، وسياسيون في البرلمان الألماني (البوندستاغ)، ووزراء و رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية اليوم .
إن خارطة النفوذ التركي في ألمانيا اليوم لم تعد محصورة في القواعد ، بل صعدت إلى القمة؛ فالأحفاد اليوم يحمون أمن ألمانيا القومي ويقودون ابتكاراتها الطبية العالمية (مثال مساهمتهم في ثورة اللقاحات في بيونتيك)، مما يحول الجالية من عبء اندماج سابق إلى ركيزة أمنية وعلمية لا غنى عنها للدولة الألمانية.
خاتمة البحث والاستشراف المستقبل
إن التجربة التركية-الألمانية تثبت أن الهجرة المليونية لم تكن "استنزافاً للعقول" بل كانت "ادخاراً استراتيجياً".
إن مهندس الاقتصاد التركي تورغوت أوزال، ومن سار على نهجه لاحقاً، استطاعوا تحويل "الغربة والشتات" إلى "روافد تنموية" عبر تقديم النموذج الصناعي الجاهز (المناطق الصناعية المنظمة).
واليوم، تقف تركيا كقوة صناعية في المنطقة بفضل هذه المنهجية التي نقلها الأحفاد من مصانع بافاريا وشتوتغارت إلى سهول الأناضول.