عندما أقرّ حزب البعث في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم ب 7 حزيران/ يونيو 2005
أقرّ المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث الحاكم في سوريا التوجه نحو اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو النموذج الذي استُوحي من التجربة الألمانية في الاقتصاد خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويهدف في مضمونه إلى تحقيق التوازن بين الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
ظهر مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وارتبط بأفكار الاقتصادي Ludwig Wilhelm Erhard، حيث سعى إلى الجمع بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية. وتمثلت أهدافه الأساسية في الحفاظ على استقرار الأسعار، وتحقيق مستويات مرتفعة من التشغيل، وتعزيز النمو الاقتصادي، والمحافظة على توازن ميزان المدفوعات.
كما شهدت اليابان بعد الحرب نموذجاً اقتصادياً قريباً في نتائجه من التجربة الألمانية، وإن اختلفت آلياته، حيث لعبت الدولة والشركات الكبرى دوراً محورياً في التنمية الصناعية، واشتهر النظام الياباني بمبدأ التوظيف طويل الأمد أو ما عُرف بالتوظيف مدى الحياة في العديد من الشركات الكبرى.
أما الصين، فمنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين تبنت نموذجاً أطلقت عليه اسم "اقتصاد السوق الاشتراكي"، يقوم على توسيع دور السوق والاستثمار الخاص مع استمرار الدولة والحزب الشيوعي في الاحتفاظ بدور قيادي في توجيه الاقتصاد.
يقوم اقتصاد السوق الاجتماعي على المنافسة الحرة ومنع الاحتكار و تحقيق تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين وتدخل الدولة عند عجز آليات السوق عن تحقيق التوازن الأقتصادي و الاجتماعي.
"اقتصاد السوق الاجتماعي هو محاولة بناء طريق ثالث بين الاشتراكية والليبرالية"
الخلفية التاريخية:
عندما ورث بشار الأسد السلطة، كانت البلاد تعاني من مشكلات اقتصادية متراكمة، تمثلت في النمو السكاني المرتفع، وقطاع عام متهالك ومتراجع الكفاءة في العديد من المجالات، وارتفاع البطالة، خاصة بين الشباب، إضافة إلى تراجع إنتاج النفط الذي كان يشكل أحد أهم مصادر العملات الأجنبية، وعجز الدولة المتزايد عن الاستمرار في تمويل منظومة الدعم بالمستويات السابقة.
إضافة للفساد المتراكم الذي أنهك البلاد فكانت التحديات الاقتصادية من أهم التحديات التي واجهت حكوماته.
تم تعيين محمد ناجي عطري رئيسا للحكومة في 18 أيلول 2003 بنية العمل على إحداث إصلاح في الاقتصاد في وقت كانت تعاني فيه البلاد من تبعات أجتياح العراق .
كان مشروع العطري قائم على أساس إنهاء الحالة الأبوية للدولة في الإقتصاد فتحدث عن «عدم قدرة الدولة على التحمل، وعدم قدرتها على أن تظل أباً للجميع»، وأوحى، فيما أوحى، بأن هناك عهداً اقتصادياً جديداً سوف يتم الانتقال إليه، لكنه لم يكن يوضح طبيعة هذا العصر وإجراءاته.
كان عبد الله الدردري، الحاصل على شهادة في الاقتصاد ودراسات عليا في العلاقات الدولية، أحد أبرز مهندسي التحول نحو اقتصاد السوق الاجتماعي في سوريا، مستفيداً من خبرته في المؤسسات الدولية وبرامج التنمية الاقتصادية فعُيّن نائباً لرئيس مجلس الوزراء في 14 حزيران 2005 بعد أن كان، لفترة عام، رئيساً لهيئة تخطيط الدولة ومسؤولاً أممياً. حيث كان والده اللواء عبد الرزاق الدردري أحد ضباط الجيش السوري الذين شاركوا في حرب تشرين 1973، كما عمل لاحقاً مستشاراً لحافظ الأسد قبل أن يُنتدب للعمل في جامعة الدول العربية بين تونس ومصر.
جاء تبنّي اقتصاد السوق الاجتماعي كبديل للاقتصاد الموجّه المتبع في سوريا منذ الستينيات، بعدما بدا أن النموذج القديم لم يعد قادراً على معالجة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة.
كانت أولى النتائج التي شعر بها المواطن السوري نتيجة هذا التحول هي رفع الدعم عن حوامل الطاقة،حين استفاق السوريون في ربيع عام 2008 على قرار رفع سعر المازوت بأكثر من ثلاثة أضعاف، في خطوة اعتبرتها الحكومة ضرورة اقتصادية، بينما رآها كثير من المواطنين بداية مرحلة جديدة من الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار..
لم يكن وقع القرار متساوياً على جميع الفئات. فقد جاء في تقرير للبنك الدولي أن دعم الوقود كان مهماً جداً للمزارعين، وقدّر قيمة هذا الدعم بنحو 1000 دولار سنوياً لكل حائز أرض، لذلك كان رفعه مسألة حساسة جداً في الريف السوري. حاولت الحكومة السورية تخفيف الصدمة عبر قسائم أو كوبونات مازوت للعائلات بسعر مدعوم، لكن الأثر بقي واضحاً، خصوصاً على الفقراء وسكان الريف والمزارعين. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن رفع الدعم حسّن الوضع المالي للدولة، لكنه أدى في الوقت نفسه إلى ارتفاع الأسعار.
ترافق ذلك مع فتح الأسواق أمام الاستثمار الخارجي وتحرير التجارة، ولا سيما مع تدفق الاستثمارات الخليجية، دون أن تكون البنية الاقتصادية والاجتماعية مهيأة بما يكفي لتحمّل نتائج هذا الانفتاح. فقد أُعلن عن تأسيس الشركة السورية القطرية القابضة عام 2008 برأسمال قدره 5 مليارات دولار، كما طُرح مشروع «مدينة بنيان» الإماراتي في منطقة جبل الشيخ بريف دمشق بكلفة معلنة بلغت نحو 15 مليار دولار، إضافة إلى مشروع رجل الأعمال ماجد الفطيم في يعفور قرب دمشق بقيمة تقارب مليار دولار في مجالات السياحة والفنادق والخدمات.
كما ازداد حجم الاستثمارات السعودية الخاصة في سوريا خلال سنوات الانفتاح الاقتصادي، وقدّرت بعض المصادر غير الرسمية الاستثمارات السنوية السعودية بنحو مليار دولار عام 2009، وتُوّج ذلك بعقد المنتدى الاقتصادي السوري السعودي في دمشق عام 2010 وتوقيع عدة اتفاقيات تعاون اقتصادي. كذلك برزت مشاريع سياحية وعقارية، منها استثمارات مجموعة الخرافي في دمشق، ومساهمات في القطاعين المصرفي والعقاري.
لكن من المهم الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع بقي في مرحلة الإعلان أو التخطيط، ثم تعثر أو توقف لاحقاً بسبب الأزمة التي بدأت عام 2011.
في عام 2005 جرى التأكيد على خفض الإنفاق العام ورفع الدعم لتقليل العجز المالي، لكن النتيجة لم تكن كما رُوّج لها، إذ ارتفع العجز إلى 9.5% عام 2009، مع تراجع النمو وزيادة معدلات الفقر.
على المستوى الشعبي، بدأت الأحوال المعيشية بالتدهور منذ مطلع عام 2006، وارتفعت أسعار كثير من السلع والخدمات، في الوقت الذي كان فيه دخل المواطن السوري يتآكل بين فواتير الماء والكهرباء والهاتف والموبايل والضرائب غير المباشرة.
ووفقاً لموقع Macrotrends، الذي يعرض بيانات من مصادر دولية، ارتفع معدل الفقر من نحو 29.7% عام 2003 إلى 31.7% عام 2006، ثم إلى 32% عام 2009.
وفي إطار الإصلاحات الاقتصادية جرى تخفيض الرسوم الجمركية على العديد من السلع، وتوقيع اتفاقيات تجارة حرة عربية وإقليمية، وتسهيل الاستيراد للقطاع الخاص، وتخفيف بعض القيود المفروضة على التجارة الخارجية.
غير أن الانفتاح التجاري كان أسرع من قدرة الصناعة الوطنية على المنافسة، إذ كانت المصانع السورية تعاني من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف البنية التحتية الصناعية، وثقل الفساد والبيروقراطية، في حين كانت المنتجات التركية والصينية أرخص في كثير من الأحيان. وقد أدى ذلك إلى تراجع عدد من الورش الصغيرة والصناعات المحلية.
في المقابل، حصل المستهلك السوري على خيارات أوسع، وانخفضت أسعار بعض السلع، وتحسنت جودة بعض المنتجات المتاحة، وارتفع حجم التجارة والاستثمار الخاص. لكن المشكلة أن فوائد هذا الانفتاح لم تتوزع بالتساوي، بينما تحملت الفئات الصناعية والزراعية والشرائح الفقيرة الجزء الأكبر من الكلفة.
لا يزال الجدل قائماً حول نتائج تجربة اقتصاد السوق الاجتماعي في سوريا؛ فبينما يرى مؤيدوها أنها كانت محاولة ضرورية لتحديث الاقتصاد وجذب الاستثمارات، يرى منتقدوها أنها ساهمت في اتساع الفوارق الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وبغضّ النظر عن تقييم التجربة، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي رافقتها شكّلت أحد العوامل التي أسهمت، إلى جانب عوامل سياسية واجتماعية أخرى، في تهيئة المناخ الذي سبق أحداث عام 2011.
المصادر:
تم الاعتماد على دراسة بعنوان سياسة سعر الصرف في ظل للتحول الى اقتصاد السوق الاجتماعي في سوريا
دراسة ل سماح غانم عبد الكريم صادرة عن جامعة دمشق بعنوان اقتصاد السوق الاجتماعي كأحد خيارات تطوير الاداء الاقتصادي في سوربا
صحف و مواقع أخبارية معاصرة
أرقام البنك الدولي مصدرها موقع Macrotrends
*صورة الرسم البياني لمعدلات الفقر في سوريا
(الموضوع استهلك مني جهداً كبيراً، خاصة أنني لا أمتلك خلفية أكاديمية في الاقتصاد، لكن رحلة البحث في تفاصيله كانت ممتعة ومفيدة. لذلك أرحب بأي تصحيح أو إضافة من المختصين والمهتمين، فالغاية من هذه المادة هي الفهم والنقاش أكثر من إصدار الأحكام)