عن تأميم المصارف في عهد الوحدة
علاء الدين تلجبيني
يقول صلاح نصر، مدير المخابرات المصرية، ناقلًا بعض أسرار اجتماعات كانون الثاني/ يناير 1961 التي جرت فيها مناقشة تأميم المصارف، فيقول:
«كان رأي حسني الصواف، وزير الاقتصاد السوري، معارضًا لفكرة تأميم البنوك لعدة أسباب، منها أن سورية بلد تجاري سوف يتأثر بالتأميم، كما أن في البنوك السورية أموالًا عربية، فإذا ما أُجري التأميم فإن رؤوس الأموال العربية ستخرج من سورية، وستتأثر العلاقات العربية معها».
يوم 3 آذار/ مارس 1961
صدر قانون تنظيم المصارف في الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة. فرض القانون، الذي أصدره عبد الناصر في القاهرة بعد اجتماعه بالمجلس التنفيذي للإقليم السوري، أن تملك «المؤسسة الاقتصادية السورية» — وهي مؤسسة حكومية أُنشئت تابعة لوزارة الاقتصاد والمالية — كحد أدنى 35% من رأس مال المصارف (وذلك من خلال زيادة رأس مال تلك المصارف). كما فرض أن يكون جميع المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة من رعايا الجمهورية العربية المتحدة، إلا باستثناء يقرره رئيس الجمهورية، على أن تكون في هذه الحالة 75% على الأقل من الأسهم لمواطني الجمهورية العربية المتحدة، والبقية عربية. وقد أُعطيت مهلة تسعة أشهر لإنهاء إجراءات التطبيق.
ترافق ذلك مع تعديل في المجلس التنفيذي السوري، فأصبح وزير الاقتصاد حسني الصواف رئيسًا للمصرف المركزي السوري، وأصبح أكرم الديري خلفًا له في الوزارة.
عارض الدكتور عبد الوهاب حومد التأميم، وكذلك نور الدين كحالة، الذي ترك الأمر لعبد الناصر، أما باقي الوزراء فكان رأيهم موافقًا. ويشير صلاح نصر إلى موقف السراج من هذا الموضوع بقوله:
«كان رأي السراج غير واضح، ويحتمل الموافقة أو عدم الموافقة، ومع أنه كان يتمتع بالقسط الأكبر من المسؤولية، فإنه لم يكن حاسمًا في رأيه، بل استند إلى تقييم الوضع في سورية واتخاذ القرار بعد هذا التقييم».
كانت تلك المرة الأولى في سورية التي تتدخل فيها الدولة في رأس مال المصارف وإدارتها. وأخذت الأمور بعد ذلك، في نيسان التالي، منحى أكثر حسمًا، فكانت النتيجة إلغاء فعالية مجلس النقد والتسليف وتقليص مهمات المصرف المركزي.
أما فيما يتعلق بتأميم المصارف الأجنبية، فقد شملت الإجراءات مصرف سورية ولبنان (الفرنسي)، كما لحقت بالمصارف التالية:
المصرف الوطني للتجارة والصناعة (فرنسي)
الشركة الجزائرية (فرنسية)
المصرف البريطاني للشرق الأوسط (إنكليزي)
مصرف روما (إيطالي)
كما طالت مساهمات مصرف التسليف العقاري للجزائر وتونس (الفرنسي) بحيازة 30% من رأس مال مصرف الشرق العربي، وكذلك المصرف التجاري الإيطالي الذي كان في حوزته 21% من رأس مال مجموعة المصارف المتحدة.
كانت تلك القرارات، وبصورة متسارعة، تؤدي إلى تغيير وجه سورية الاقتصادي الليبرالي. فقد سبق صدور قانون تنظيم المصارف قانونُ إقفال السوق الحرة للنقد، الذي يقول عنه سامي عصاصة في كتابه أسرار الانفصال:
«أدى تفاقم هجرة الأموال السورية إلى صدور القرار الجمهوري رقم 11 الصادر بتاريخ 4/2/1961، الذي ينظم التعامل بالعملات في الإقليم السوري، وذلك بقصد تحجيم تصدير الأموال الأجنبية بطرق مشروعة، ولكن القرار لم يؤدِّ إلا إلى تنشيط حركة تهريب الأموال بشكل لم يسبق لسورية أن عاشته في عهد من العهود. فلقد أخطأ واضعو القرار المذكور فيما وضعوا، إذ حاولوا معالجة جذور المرض بالقضاء على الظاهرة السطحية فقط، فلم يؤدِّ قرارهم إلى تحقيق هدفه، وقد أدى تزايد تهريب العملات من سورية إلى انخفاض الليرة السورية إلى أقل من نصف ليرة لبنانية خلال فترة قصيرة بعد صدور القرار المذكور.
وفي ذات التاريخ الذي تقرر فيه إقفال السوق الحرة للنقد لم يعد الدكتور عزة الطرابلسي حاكمًا لمصرف سورية المركزي، وكان هذا الرجل يشكل العقبة الكأداء في وجه كل سعي من قبل الرئيس إلى الإسراع في توحيد النقدين السوري والمصري. وكان وجود الدكتور طرابلسي بمثابة ضمان لاستقرار العمل السوري، إلا أن الوضع ما لبث أن ازداد اضطرابًا حين غادر منصبه ولم يُجدَّد العقد معه، فاهتزت ثقة رجال الأعمال والاقتصاد، وبدأت الليرة تنهار إلى الحضيض».
تسارعت الأمور قبل ثلاثة أشهر من حدوث انفصال الجمهورية العربية المتحدة، فأُعلن قانون التأميم الكامل للمصارف المصرية والسورية في 20 تموز/ يوليو 1961.
إذا رغبت، أستطيع أن أضبط لك خاتمة تحليلية قوية على طريقتك في “متل اليوم” تربط بين هذه القرارات وتمهيدها لانفصال أيلول 1961.
الصورة
جمال عبد الناصر يصافح رجل الصناعة الأبرز في مدينة حلب سامي صائم الدهر خلال زيارة جمال عبد الناصر لمنزله قي حلب