عائلة السلطان عبد الحميد ترفع دعوى على العراق بقيمة مليار دولار
صفاء محمد هادي
توفي السلطان عبد الحميد الثاني، سلطان الدولة العثمانية، في مغنيسيا بآسيا الصغرى. وعند وفاته (١٩١٨)، ورغم أنه كان أسيرًا لدى حكومة «تركيا الفتاة»، قُدِّرت ثروته بـ ١٬٥٠٠٬٠٠٠٬٠٠٠ دولار أمريكي (يعادل تقريبًا ٣٢٫٢٠٥ مليار دولار أمريكي بقيمة اليوم)، وكان يُنظر إليه عمومًا بوصفه أغنى رجل في العالم. وفي ٣ فبراير/شباط ١٩٣٠، وافقت الحكومة اليونانية على دفع ٥٠ مليون دولار أمريكي (يعادل تقريبًا ٩٧٠٫٥ مليون دولار أمريكي بقيمة اليوم) إلى تسعٍ من أراملِه وثلاثة عشر من أبنائه. ولم يفرح الورثة وحدهم، بل كذلك كثيرٌ من ذريته ومَن كانوا يعتمدون عليه.
ابتهج كبار الأثرياء في بريطانيا والولايات المتحدة؛ إذ كانوا قد أنشؤوا صندوقًا للعائلة، محققين أول قضية ناجحة لهم ضد دولة. وكان السلطان عبد الحميد، الذي سمّاه مؤرخون بارعو الصياغة «عبد الحميد الملعون»، ماكرًا وقاسيًا وبالغ الجهل على نحو استثنائي؛ ففي عام ١٩٠٧ رفض منح شركة «جنرال إلكتريك» الإذن باستيراد عددٍ من الديناموهات إلى تركيا لأنه سمع أنها آلات قادرة على إنتاج ١٬٢٠٠ «ثورة» يعني دَوْرَة كاملة في الدقيقة، وهو تعبير كان في ذهنه العثماني مرادفًا للفوضى الفورية والدائمة. وكان مترجمٌ قد ترجم كلمة «ثورة» على أنها ثورة سياسية، لأنه لم يكن يعرف المقابل التركي لها. وقد ردّ السلطان بأنه يحتاج إلى الكهرباء لا إلى آلة يمكنها تدمير العالم، مما أصاب ممثلي الشركة بالذهول.
ومع بداية الحرب العالمية الأولى، كانت أملاكه الشخصية تشمل نصف ولاية سالونيك، وممتلكاتٍ في جزيرة قبرص، وتساليا، واليونان، وسوريا، وفلسطين، والعراق، إضافةً إلى قسم كبير من أراضي مقدونيا الغنية بالتبغ (ومنها جاءت سجائر «المصري»)، ونحو ٢٥ مليون دولار أمريكي من المجوهرات (يعادل تقريبًا ٨١٠٫٢٥ مليون دولار أمريكي بقيمة اليوم). وعندما خُلع عام ١٩٠٩ صودرت جميع تلك الممتلكات من قبل الدولة العثمانية، وبعد تفكك الدولة العثمانية قامت كثيرٌ من الدول التي نالت استقلالها حديثًا بتأميم ممتلكات السلطان.
وفي عام ١٩٢٥، قرر عددٌ من الممولين البريطانيين والأميركيين أن ورثة «عبد الحميد الملعون» لديهم قضية قوية وفق القانون الدولي. وعلى أساس التفاهم بأنهم سيحصلون على حصة كبيرة من أي أموال تُدفع لورثة عبد الحميد، أنشأوا تباعًا ثلاث شركات لدفع المعركة القانونية: «شركة أنغلو-هيلينيك»، ثم «فاليده تراست» (شركة محدودة)، وأخيرًا «إيجيان فاينانشل تراست». ولم تكن عائلة السلطان راضية عن ٥٠ مليونًا من اليونان وحدها (يعادل تقريبًا ٩٧٠٫٥ مليون دولار أمريكي بقيمة اليوم)؛ إذ جمعت مسؤولين من «إيجيان فاينانشل تراست» أعلنوا أن لديهم كل الأمل في الحصول على مليار دولار أمريكي (يعادل تقريبًا ١٩٫٤١ مليار دولار أمريكي بقيمة اليوم) لموكّليهم من مملكة العراق.
وفي وقت لاحق عام ١٩٣١، طمأن كمال مصطفى أتاتورك الحكومة العراقية بأنه مهما كانت النتيجة فإن الدولة التركية ستُلغي أي مطالبة تقدمها عائلة السلطان. وبعد ذلك بوقت قصير أوقفت العائلة قضيتها ضد الدولة العراقية. وكان أتاتورك يريد الحفاظ على علاقة ودية مع العراق، إذ إنه ضمن اتفاق عام ١٩٢٦ كان العراق سيعوّض الأتراك عن «أخذ» الموصل منهم، بمنحهم ١٠٪ من حصتهم البالغة ٣٪ من النفط العراقي، ٩٧% من النفط ذهب إلى شركات غربية. ولم تتمكن العائلة من تحصيل أكثر من ٥٠ مليون دولار أمريكي من اليونان، أما قضيتهم ضد فلسطين فقد مضت شوطًا بعيدًا لكنها توقفت بفعل «الكيان الصهيوني» بعد احتلال فلسطين. ولم تُرفع أي قضية أخرى ضد أي دولة أخرى.
عراق 58