"خليل بهلول" من رجل تربع قمة الشهرة بإنجازاته الهندسية لفقير معدم في باريس
محمد طباخ
في تاريخ 14 شباط لعام 1975، صدر المرسوم رقم 12 القاضي بإحداث مؤسسة الإسكان العسكري في الجمهورية العربية السورية، ووصِفت مهمة هذه المؤسسة بأنها "تعمل على تنفيذ مشاريع الأبنية والمؤسسات"، فأعفيت من كافة الضرائب والرسوم واستثني العاملون فيها من الحدود القصوى للتعويضات.
كانت الغاية من تأسيسها بناء مساكن للعسكريين قرب وحداتهم العسكرية لتخفيف انتقالهم اليومي بعيداً إلى دمشق، وسمي مشروعهم "مشروع إسكان الفرق".
وسرعان ما تخطت المؤسسة دورها الذي انشأت من أجله لتصبح مؤسسة ذات طابع إنشائي وصناعي وزراعي، حيث قامت بتنفيذ العديد من المشاريع الهامة والكبيرة، وراح نشاطها يزداد تنوعاً وانتشاراً حتى شمل معظم المحافظات السورية.
تم تكليف ضابط يدعى (خليل بهلول) بإدارة المؤسسة الأكبر في سورية، وهو بالأصل صف ضابط سابق، عمل دورة كلية عسكرية في تشرين الأول 1963، وتم مكافأته برتبة ضابط ورفع إلى رتبة مقدم عند تعيينه على رأس المؤسسة، وكان قد نال نشاطه أعجاب حافظ أسد بعد نجاحه في اعادة بناء حظائر طائرات ومدارج طيران لسلاح الجو التي دمرت بالخرب في زمن قياسي اقل من الزمن الذي حدده حافظ الاسد بعد حرب 1973.
منِح (بهلول) صلاحيات واسعة على طريقة القطاع الخاص، إذ لم تكن هذه المؤسسة تخضع للقوانين والأنظمة التي تحكم المؤسسات العامة الأخرى، حيث كانت منظمة على نحو لامركزي بصلاحيات لا مركزية واسعة، وكانت جميع الفروع ذات استقلال مالي وإداري ومحاسبي، وكان كل منها يعمل كشركة مستقلة وله موازنته وميزانيته وحساب ارباح وخسائر وحساب مصرفي يدار من قبل مدير الفرع والمدير المالي للفرع.
كان معظم مديري الفروع ومدراء الأقسام من المدنيين، وكان جلهم غير بعثي، وكان في المؤسسة عدداً محدوداً من العسكريين يصفهم السيد (سمير سعيفان) بأن جهلم فاسدون، مثل حبيب يونس الذي كان مدير الفرع المالي ثم ازيح، وقصي درويش مدير فرع الآليات، وأبو مدين رمضان عيسى ضابط الأمن في المؤسسة وهو من قرية عين شمس قرب مصياف.
قفز حجم أعمال المؤسسة إلى 1500 مليون ليرة سورية عام 1980 وبلغ عدد عمالها 67,852 عاملاً، بينهم حوالي 2500 مهندساً، حيث تزاحم المهندسون على العمل في المؤسسة؛ لما كانت تقدمه من رواتب عالية وحوافز كالسيارة التي توضع تحت تصرف المهندس، وكانت الرواتب في الاسكان العسكري تعادل وسطياً ثلاثة أمثال رواتب الدولة.
وفي العام 1985 بلغ حجم أعمال المؤسسة 8200 مليون ليرة سورية مقابل 5450 مليون ليرة سورية لكل شركات الإنشاءات العامة الأخرى.
وكان مركز ثقل المؤسسة في حلب، وكان لها ادارة خاصة باسم الادارة المركزية للمنطقة الشمالية وكان على رأسها احد اقرب المقربين من خليل بهلول وتجمعهما الكثير من الصفات المشتركة، وهو المهندس عبد اللطيف الضو
وعدد من اقوى فروع المؤسسة بسورية، كان على رأسها عدد من جهابذة المهندسين بحلب من أمثال مأمون مدرس ولؤي حمصي رحمها الله وصبحي أبو دان وأحمد حريري اطال الله في عمرهما.
ومن المشاريع الكبرى التي نفذتها مؤسسة الاسكان العسكري مبنى مطار دمشق الدولي، ومكتبة الأسد، وقاعة ضيافة رئيس الجمهورية بطراز شرقي، وفندق ميريديان حلب، والمدينة الرياضية في اللاذقية (لدورة ألعاب البحر المتوسط عام 1987) والمدينة الرياضية بحلب، ومدارس وأبنية جامعية وسكن جامعي، وخمسة الآف منزل في ما سمي بقرى الأسد قرب دمشق ومدينة الحمدانية والحيدرية بحلب، هذه المدن والضواحي تميزت ببنائها النموذجي الذي عكس ذوق بهلول نفسه في كل مشاريعه بتخصيص كل منزل بحديقة صغيرة.
يقول (سعيفان) لقد نمت المؤسسة كالأخطبوط، وكان فيها مئات المشاريع قيد التنفيذ على امتداد الأرض السورية، وكانت تستحوذ لوحدها قرابة نصف أعمال المقاولات الحكومية بقطاعيها العسكري والمدني، وكان فيها قرابة 100 ورشة صناعية ومعمل من بينها مصنعاً للإسمنت بطاقة نصف مليون طن سنويًا في حلب، وأربعة معامل للموبيليا، وأربعة معامل للآجر، ومصنعاً للسيراميك، ومصنعاً للمصاعد، وآخر لأسلاك الكهرباء، وورشة أعمال معدنية تنتج سيور ناقلة للأفران وغيرها وعدد من معامل مسبق الصنع اهمها ثلاث معامل مسبق الصنع بحلب، وكان لديها عدداً من مقالع البحص والرمل والكسارات وغيرها الكثير، وكان لديها قرابة 11000 سيارة ومعدة وآلية هندسية، وكان فيها فروعاً لتنفيذ مشاريع البناء وأخرى صناعية، وفرعاً للتجارة المحلية، وفرعاً تجارياً للمشتريات الخارجية سمي بفرع العقود.
ومنذ عام 1985 أخذت أوضاع مؤسسة الإسكان العسكري تتدهور بسبب شح الأموال وتزايد الضائقة الاقتصادية، وبدأ التضييق على المؤسسة وخاصة من قبل رئيس الوزراء السابق (عبد الرؤوف الكسم) الذي كان يعادي خليل بهلول، خاصة وأن الإسكان العسكري كانت أحد مسببات تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بحسب رأي الكسم وليس سوء ادارة حكومته، لأن الإسكان كانت تدفع كل شهر نحو 100 مليون ليرة سورية تسديداً لمستحقات ديون الموردين، وكانت تعادل 20 مليون دولار.
قام الباحث والمؤرخ باتريك سيل بتكليف مساعدة بزيارة للمؤسسة وعمل تقريراً عنها، وقد أعجبت هذه المساعدة بشخصية خليل بهلول وانجازات المؤسسة.
ويصف الصحفي والمؤرخ البريطاني (باتريك سيل) وضع المؤسسة في عهد خليل بهلول في نهاية الفصل الخاص بالمؤسسة بالقول:
(كان ينقصها فقط العلم والنشيد وطني)!
وعندما علم خليل بهلول بما كتب عنه وانه وصل لحافظ اسد، أسرّ للمقربين منه "هذه العبارة ستتسبب في نهايتي" وهذا ما حصل.
وفي شهر تشرين الأول لعام 1987 أقيل (خليل بهلول) من رئاسة المؤسسة بعد اصطدامه برئيس الوزراء (عبد الرؤوف الكسم)، وتمت تسمية العقيد (أحمد سعيد صالح) بدلًا عنه، وقد كان رئيس كتيبة هندسية في الجيش لا يفقه شيئاً في الإدارة، وأودع السجن بعد فترة بتهم الفساد.
وبعد إقالة خليل بهلول طلب منه مغادرة سورية، فتوجه مع عدداً من مهندسيه نحو (ليبيا) أيام (معمر القذافي)، وأسس هناك شركة صغيرة للمقاولات بالشراكة مع القيادة القومية الليبية، ولكنه وبعد مضي أربعة أعوام غادر ليبيا بشكل نهائي على آخر طائرة غادرت ليبيا في 14 شباط لعام 1992 بعد فرض عقوبات اقتصادية على ليبيا، وقبل يوم واحد من فرض الحصار الجوي على ليبيا، وكانت الطائرة تتجه نحو العاصمة دمشق، ولكن وبعد وصوله لدمشق؛ طلبت منه القيادة المغادرة فوراً! فغادر إلى العاصمة الفرنسية باريس، حيث توفي فيها فقيراً معدماً عام 1998، وقام عدد من أصدقائه ومحبيه بدفع فواتير المشفى ونقله ودفنه بسوريا في قريته واسمها "يرتي" ناحية الفاخورة وكان في جنازته عدد قليل من أصدقائه معظمهم من حلب وأقاربه فقط.
- مصدر الأرقام عن كتاب حلب بين التاريخ والهندسة للدكتور (محمود فيصل الرفاعي).
- مصدر المعلومات حول الراحل (خليل بهلول) عن مقالة للأستاذ (سمير سعيفان) بعنوان تجربتي في مؤسسة الإسكان العسكرية.
المقال نشره الاستاذ عبد الرحمن الجاسر.
عن مقالة للأستاذ علاء الدين تلجبيني
وقمت باضافة بعض المعلومات من معرفتي وتجربتي الشخصية من خلال عملي بالمؤسسة من سنة ١٩٧٩-١٩٨٩.
- الصورة للمرحوم للعقيد خليل بهلول مدير المؤسسة عند تأسيسها، شخصية وطنية قل نظيرها.
كان يعمل ١٨ ساعة باليوم وينام أربع ساعات فقط، وهذه ليست مبالغة كل من عرفه عن قرب يؤكد ذلك.
كلنا سوريا