«فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم» للباحث حنا بطاطو

يقدّم حنّا بطّاطو واحدة من أكثر القراءات اتّساقًا لبنية نظام الأسد، قراءة تزيح ثنائية “طائفي أم غير طائفي” وتعيد السؤال إلى جذوره الاجتماعية. فلفهم السلطة في سوريا منذ السبعينيات، لا يكفي النظر إلى الانتماء المذهبي لمن صعدوا، بل يجب النظر إلى الطبقة والموقع الاجتماعي الذي جاؤوا منه. وهنا تتبدّى الصورة التي يطرحها بطّاطو بوضوح:
نظام الأسد لم يتأسّس كسلطة طائفية، بل كحصيلة تحوّل طبقي عميق خرج من الهوامش الريفية السورية نحو مركز الدولة.
فالقرن العشرون قبل صعود البعث كان زمن المدن السورية الكبرى، دمشق وحلب وحمص وحماة بدرجة اقل، حيث تمركزت السلطة والثروة والتعليم. في المقابل، كان الريف يعيش تهميشًا عميقًا: فقر، أمّية، وغياب شبه كامل للحياة السياسية، والنفوذ السياسي. ومع الإصلاح الزراعي وانهيار سلطة الوجهاء التقليديين في القرى، فُتح فراغ اجتماعي هائل، دفع أبناء صغار الفلاحين والعمال الزراعيين إلى البحث عن قنوات جديدة للصعود.
هذا الفراغ هو ما منح الجيش دوره الحاسم. فالمؤسسة العسكرية، كما يصفها بطّاطو، أصبحت سُلّم الترقي الطبقي الذي حوّل الريفيين إلى ضباط ومسؤولين وصنّاع قرار. ولأن أبناء المدن كانوا أقل إقبالًا على الجيش، امتلأت صفوفه تدريجيًا بأبناء المناطق المهمّشة من مختلف الطوائف. هكذا تشكّلت نواة نخبة جديدة لا يجمعها المذهب، بل أصلها الاجتماعي الواحد: أبناء الريف الذين صعدوا مع انهيار البنى التقليدية القديمة.
من هنا يصبح صعود حافظ الأسد تجسيدًا كاملًا لهذا التحوّل. فهو ابن بيئة فقيرة مهمّشة، وجد في الجيش طريقًا يتجاوز فيه حدود طبقته الأصلية، ويصل إلى موقع لم يكن ممكنًا ضمن النظام الاجتماعي التقليدي. ولذلك لا يرى بطّاطو في نظام الأسد “سلطة طائفة”، بل سلطة طبقة ريفية صاعدة تمكّنت من السيطرة على أجهزة الدولة عبر الجيش والحزب. والكثير منا يتذكر مدى نفوذ الحزب والجيش حتى بعد منتصف ثمانينات.
لكن هذا التحوّل لم يكن بلا توتر. فالنخبة الجديدة التي صعدت من الهامش ظلّت تحمل هواجسه الداخلية: خوف من النخب المدينية التي أُزيحت، وقلق من محيط اجتماعي لا يعترف بشرعيتها التاريخية. في هذا السياق بالذات برزت الطائفية لاحقًا، كوسيلة حماية لا كجوهر تكويني للنظام. استُخدمت الروابط الطائفية لضبط المؤسسة العسكرية وتأمين الولاء، لكنها لم تكن الأساس الذي جعل السلطة ممكنة؛ كانت أداة لاحقة لحماية بنية أوسع وأعمق: بنية الانتقال الطبقي من الريف إلى الدولة. بنية الانتقال من الهامش الى المركز.
وهكذا يعيد بطّاطو تركيب تاريخ النظام السوري على نحو مختلف تمامًا عن السائد:
الأساس طبقي–اجتماعي، والتحوّل جاء من الريف المهمَّش لا من طائفة موحّدة، والطائفية ظهرت لاحقًا كآلية دفاعية داخل نظام يشعر بأنه محاصر أكثر مما هو واثق. هذه القراءة تكشف طبيعة السلطة في سوريا كسلطة نشأت من هجرة الهامش إلى المركز، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى سلطة تحتمي بشبكات قرابية ومذهبية كي تُبقي على ما أنجزته. اي مع الحفاظ على الخيط "الطائفي" ذو الاصول الريفية

إن فهم هذه البنية — كما يرى بطّاطو — ضروري لأي تحليل جاد لطبيعة نظام الأسد: فهو ليس نظام طائفة، ولا مجرد نظام عسكري، بل حصيلة انقلاب اجتماعي كبير صعد فيه أبناء الريف إلى مركز الدولة، قبل أن تتلوّن السلطة لاحقًا بآليات حماية طائفية لم تكن أصلًا جزءًا من بنيتها الأولى.

صفحة منصور المنصور