التغيير ضرورة للتقدم والتطور

د. جوليان بدور- فينكس

منذ قليل قرأت مرسوماً يقضي بتكليف الدكتور محمد غازي الجلالي بتشكيل وزارة جديدة في سورية.
لا شك بأن التحديات ضخمة والمسؤوليات جسيمة أمام السيد الجلالي والحكومة السورية الجديدة، فالوضع صعب والجميع ينتظر منها إيجاد حلول سريعة للأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد والعباد.
في مثل هذه الظروف وكخبير اقتصادي، الشيء الهام بالنسبة لنا هو إحداث تغيير جذري في نمط الحوكمة ونمط التفكير للحكومة الجديدة. لأن اتباع الرؤى والسياسات العامة نفسها التي طبقتها الحكومات السابقة، أي النهج النيوليبرالي، ستؤدي إلى النتائج والأزمات نفسها أياً كانت نوعية الحكومة بالسلطة.
لهذا السبب نقوم بنشر المقال الذي انتهيت من كتابته للتو والذي يوضح بأن من بين الإجراءات الضرورية الواجب اتخاذها من قبل الحكومة السورية الجديدة هو التخلي عن النهج النيوليبرالي الحالي، واتباع نهج اقتصادي جديد مغاير تماماً له يعيد للدولة دورها القيادي في إدارة دفة الاقتصاد ورسم رؤى وسياسات جديدة مبنية على الحقائق لا على الأحلام الوردية.
أولوية الأوليات للحكومة الجديدة هي العمل على تعبئة وحشد كل الموارد الاقتصادية والبشرية والمالية الوطنية بغية تحفيز نمو اقتصادي قوي ومستقلّ يتيح للحكومة رفع رواتب وأجور المواطنين بشكل مستدام، ومعالجة مشاكل فروقات الدخل والبطالة والفقر والهجرة في البلاد.
المقال هو التالي:
"سورية: تغيير النمط الاقتصادي الحالي ضرورة ملحة لتطور البلاد وتحقيق تنمية اقتصادية عادلة ومستدامة"
في الخطاب الهام والتاريخي الذي ألقاه السيد الرئيس أمام أعضاء مجلس الشعب في ٢٥/٠٨/٢٠٢٤، حاز الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي على القسم الأكبر منه. منذ البداية أشار السيد الرئيس إلى أن معظم السوريين يتساءلون في الوقت الراهن حول كيفية الخروج من الوضع المعيشي الحالي وحول ما ينتظرهم في الحاضر والمستقبل. وبكل وضوح وثقة أكد سيادته بأنه لا شيء أخطر علينا اليوم من الاستمرار باتباع سياسة الهروب إلى الأمام وانكار الواقع بدلاً من مواجهة التحديات الضخمة ومعالجة المشكلات الحادة التي تعاني منها البلاد.
كما أوضح السيد الرئيس بأن هذا الوضع هو نتيجة تراكمية لعقود من الرؤى والسياسات العامة المتبعة في السنوات الماضية. بالتالي لا يمكننا فهم هذا الواقع والخوض فيه وتغييره من دون ربطه بما سبقه من مراحل. فالحاضر هو نتيجة الماضي والأزمات الوطنية الكبرى لا تأتي فجأة. لذالك فالربط بين الحاضر والماضي هو ضروري لأنه سيساعدنا على التمييز بين الأسباب الموضوعية والأسباب غير الموضوعية. فيما يخص هذه المسألة الهامة قال السيد الرئيس إذا كنّا لا نتحمل مسؤولية الأسباب الموضوعية بشكل مباشر لإنها أكبر من طاقة البلد، كالحرب، والحصار، والإرهاب والسياسات العامة القديمة والأزمات العالمية المتنوعة، بالمقابل فإن السلطة التنفيذية هي المسؤولة بشكل مباشر عن الأسباب غير الموضوعية كون الأمر متعلق بتقصير المسؤولين في الحكومة. بالتالي فان تصريحات بعض المسؤولين في الحكومة حول مسألة أن الحرب والحصار والإرهاب هي المسببة للوضع الراهن غير كافية، بالرغم من أنها صحيحة، لإننا لا نستطيع ان نعالج كل شيء تحت عنوان الحرب والحصار. فالأزمات الاقتصادية الحادة هي حالة نقص مناعة غير ظاهرة للعيان. ولكي نبحث في أسباب نقص المناعة علينا أن نبحث في نوعية وطبيعة التوجهات والسياسات الاقتصادية العامة المتبعة في السنوات الماضية.
رغم أن بعض الأخطاء المرتكبة حدثت في نهاية القرن الماضي (كالاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي والشراكة الأوروبية ومساعدات الدول العربية النفطية والتخلي للقطاع الخاص في استيراد الحاجات الأساسية)، إلا أن الحدث الأكبر والأهم والمسؤول الرئيس عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد كان، من وجهة نظرنا، تبنّى نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في عام ٢٠٠٥ كعنوان يخفي السياسة النيوليبرالية الحقيقة المتبعة منذ ذلك الوقت. بالنسبة لنا، قرار اعتماد الليبرالية الجديدة كسياسية اقتصادية تنموية في بلادنا في وقت باتت تظهر فيه بوادر فشل هذه النظرية منذ عام ٢٠٠٨ (أزمة الرهن العقاري) والاستمرار بتطبيقها بالرغم من إعلان الحرب الكونية على البلاد في عام ٢٠١١ والتأكد من فشلها في تحقيق الأهداف المنشودة منها (نمو اقتصادي قوي ورفاهية عامة للشعب) في الدول التي تبنتها كان خطأ استراتيجياً كبيراً له عواقب وخيمة.
فسواء تعلق الأمر بتفاقم الفقر المدقع وعدم المساواة، أم بتقزيم وتحجيم دور الدولة والقطاع العام، باحتكار السوق الاستثرائي وغياب المنافسة وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، بإنهيار القوة الشرائية للرواتب والأجور والعملة الوطنية وبيع الممتلكات العامة بسعر زهيد، بخصخصة قطاعات الصحة والتعليم وتراجع الرعاية الصحية ونشر الفوضى والفساد فيهم، بتحويل الاقتصاد من اقتصاد منتج ومستقل الى اقتصاد طفيلي مالي تابع، بتحويل وسائل الإعلام والميديا من وسائل تدافع عن المصلحة العليا للبلاد إلى أدوات دعائية في خدمة مصالح قلة من الأثرياء ونشر ثقافة التفاهة، بنشر التشاؤم والإحباط والفساد في المجتمع، بتدمير نظم القيم الأخلاقية والأسرية والثقافية والولاء للوطن وإحلال محلها قيم تعظيم الذات والفردية والأنانية… إلخ، كل هذه الظواهر والآثار عانت منها بشكل وبآخر جميع دول العالم التي تبنت النهج النيوليبرالي بما فيها بلدنا.
أمام الاخفاق الهائل والنتائج الكارثية للنهج النيوليبرالي، قررت حكومات الكثير من الدول، بما فيها الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية والهند والاتحاد الأوروبي، التخلي عن النيوليبرالية لصالح سياسات الحمائية الجمركية كشكل من أشكال الدفاع عن اقتصادها. فمثلاً في عام ٢٠٢٢ صوتت الولايات المتحدة لصالح قانون (IRA) والذي ترجم بدعم الشركات الخاصة باكثر من ٧٠٠ مليار دولار. كما قامت الصين وكوريا الجنوبية والهند بتقديم مساعدات مالية هائلة وبمئات المليارات من الدولارات لشركاتهم من أجل الحفاظ على تقدمهم في مجال التكنولوجيا العالية. استخدام هذا النوع من السياسات الحمائية مؤهل للتزايد والانتشار بشكل أكبر في المستقبل القريب. في الآونة الأخيرة مثلاً قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بزيادة الضرائب بشكل كبير جداً على السيارات الكهربائية وغيرها من السلع المستوردة من الصين. في هذا السياق ليس من المستغرب قراءة عناوين لكتب ومقالات كثيرة تشكك في فعالية الليبرالية الجديدة وعواقبها على النمو الاقتصادي ورفاهية الناس، على سبيل المثال "تراجع وسقوط النيوليبرالية" لدافيد كايلا ٢٠٢٢، ج. كوودكو (٢٠٠٩)، حقائق وأخطاء وأكاذيب، "الليبرالية الفاشلة وإرثها الهزيل"، ومقال "لقد قادت النيوليبرالية فرنسا إلى الإفلاس" (٢٠٢٣) لهنري فوكيرو.
في ظلّ التراجع الخطير والكبير لفلسفة الليبرالية الجديدة على المستوى الوطني والدولي، ونظراً للدور الذي لعبته الليبرالية الجديدة في تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي في بلدنا أصبح البحث عن نهج اقتصادي جديد ضرورة ملحة وهامة لا مفر منها. لكن السؤال هو نحو أي نموذج اقتصادي نتجه وهل من المعقول التخلي عن النهج النيوليبرالي بشكل كامل؟ في هذا السياق نحن نعتبر بأنه من الحكمة والعقلانية دراسة وتحليل التجارب التنموية التاريخية الناجحة والرائدة للبلدان النامية مثل الصين وفيتنام والهند ودول جنوب شرق آسيا.
العبر والدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب هذه الدول كثيرة ومتعددة:
أولها هو أن حكومات هذه الدول رفضوا استخدام وصفة النيوليبرالية المستوردة، واتبعوا مسار التنمية الاقتصادية المستقلة الذي يأخذ بعين الأعتبار الخصائص الذاتية لكل بلد.
ثانيها هو أن اقتصاد السوق بمفرده وما يمثله من قوانين وآليات ومنافسة لا يستطيع تحقيق تنمية اقتصادية عادلة ومستدامة كما برهنت تجارب دول أمريكا اللاتينية.
ثالثها أن التخطيط المركزي المستند إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها وآلياتها، لا يستطيع بمفرده أن يحقق التنمية المتوخاة كما بينّت تجارب دول المنظومة الشرقية. ما يميز هذه الدول عن غيرها هو أن حكوماتها اختارت طريقاً ثالثاً يمكن تسميته: "اقتصاد السوق المنظم" أو "اقتصاد السوق الأشتراكي" الذي يقوم بالجمع والخلط ما بين آليات السوق وأدواته وبين سياسات الدولة ومؤسساتها.
فإذا اعتمدنا إذاً على تجارب الدول النامية الأكثر نجاحاً وتألقاً، وأخذنا بعين الاعتبار الدور الذي لعبته الليبرالية الجديدة في الأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تمر بها البلاد، فسنحتاج إلى نهج اقتصادي جديد مختلف تماماً عن السياسة الاقتصادية الحالية، يجمع ما بين آليات اقتصاد السوق وأدوات الدولة ومؤسساتها، ويأخذ بعين الأعتبار الخصائص والسمات المميزة الخاصة بالاقتصاد والمجتمع السوري.
بمعنى آخر نحن بحاجة لنموذج يسمح للدولة برسم السياسات العامة، وتحديد الأهداف والأولويات الوطنية في كافة المجالات وخاصة الاجتماعية والثقافية مع فتح المجال للقطاع الخاص بالقيام بالاستثمارات التي يراها مناسبة تحت ظل القوانين والتشريعات التي تسمح بالدفاع عن الحريات الفردية والجماعية.
نظراً للوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب الحالي ستكون أولوية الأوليات للسياسات الاقتصادية المقبلة العمل على حشد كل الموارد الاقتصادية والبشرية والمادية للبلاد بغية تحفيز نمو اقتصادي قوي ومستدام يسمح بخلق ثروة كافية تتيح معالجة مشاكل فروقات الدخل والبطالة والفقر وتدخل البلاد في مسار تنمية اقتصادية شاملة وعادلة ومستدامة.
لكن لا بدّ من الاشارة إلى أن نجاح هذ المشروع لن يكون سهلاً لعدة أسباب، من أهمها المعارضة الشديدة من قبل بعض القوى المحلية والدولية المستفيدة من الوضع الحالي (رجال الأعمال وأصحاب الثروات الجدد وممثلي الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات)، صعوبة الحرب على الهدر والفساد… وصعوبة التغيير في العقلية ونمط التفكير المؤسسي والفكري والاقتصادي.
لكن كما قال السيد الرئيس "الخيارات الصعبة تعني أن الرؤى والسياسات والخطط تبنى على الحقائق لا على الأحلام الوردية وتأجيل النقاش كما كنّا نفعل دائماً حوّلها إلى وحول… منعتنا من التفكير ومنعتنا من الحركة….. لذلك تأجيل الحوار فيها أصبح غير مقبول الحوار أصبح ضرورة ملحة".
برأينا الأنظمة الأكثر تكيفاً وكفاءةً هي من يكتب لها النجاح في الغالب. لهذا عندما تتبنى الدولة نظاماً اقتصادياً وطنيتً ومستقلاً يهدف إلى حصول جميع المواطنين على الحد الأدنى من الرعاية الصحية والتعليم والسكن والدخل وتحقيق المساواة الاجتماعية وتقليل الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وتعزيز رفاهية جميع أفراد المجتمع، فإن قضية نجاحه وانضمام الشعب له والدفاع عنه أمر لا شك فيه.
بقي علينا القول أخيراً: نأمل أن يساهم هذا العمل البحثي والعلمي في مساعدة صناع القرار الاقتصادي والسياسي في بلدنا على وضع سياسات ومقترحات جديدة تسمح بتجاوز أخطاء الماضي من ناحية، وتحافظ على الثوابت الاقتصادية والاجتماعية المعلنة رسمياً كما جاء في خطاب رئيس الجمهورية.
د. جوليان بدور، أكاديمي وباحث اقتصادي في جامعة ريونيون الفرنسية