من عامل مطعم في حلب إلى "قيادي نقابي"

المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
من عامل مطعم في حلب إلى "قيادي نقابي" في القمة في مطلع حكم البعث والعودة إلى "البطالة المأجورة".
مُجري اللقاء الدارس: عمر جيني
المتحدث: محمد خليل جاويش من مواليد: صوران اعزاز – 1932
مكان وتاريخ أخذ الحديث: بلدية حلب – الاثنين في 27 آذار 1989
كتب جيني نقلا عن جاويش:
النقابة التي انتسب إليها: نقابة عمال الجزارين (عام 1956-1957) و نقابة عمال المواد الغذائية (1958-1959) ونقابة عمال الدولة والبلديات (1963). وتدرجت من رئيس نقابة إلى رئيس اتحاد عمال حلب (عام 1963-1967). وفي عام 1967 نُقلت بدورة انتخابية إلى أمين سر الإتحاد العام لنقابات العمال في سوريا. ثم استلمت بعدها أمين العلاقات الخارجية في الاتحاد العام عضو مكتب تنفيذي، ثم أمين مالي بالاتحاد حتى عام 1970. انتُخبت في مؤتمر الاتحاد الدولي للعمال العرب أمينا عاما مساعدا للاتحاد وبقيت في القاهرة مفرغا لمدة ستة شهور، وحضرت مؤتمر الاتحاد الدولي للعمال العرب الذي عقد في بودابست المجر عام 1968-1969.
عمل الجد ومهنته وما سمعه النقابي عن جده وأقرانه مما له علاقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيام الجد، أي في أواخر القرن التاسع عشر و مستهل القرن العشرين:
جدي كان فلاحا بالقرية ويملك قطعة أرض صغيرة لا تكفيه وكان عاملا زراعيا يعمل بالأجرة. وكان العمل يأخذ شبه اكتفاء ذاتي للحصول على الطعام والشراب البسيط والذي كان لا يتعدى الخبز والبرغل والعدس وبعض الحاجيات البسيطة. إن جدي وأقرانه يعملون كأجراء في الفلاحة على الفدان والحصاد بالمنجل والرجاد ويعني جمع الحصاد ونقله إلى بيادر القرية على الدواب بسلم يسمى الشاحر أو العربات الخشبية التي كانت تجرها الخيول، ثم كانت الناس تعيش على كفاف يدها. وكانت العلاقة الاجتماعية علاقة إقطاعية. كان الإقطاعي وأزلامه ووكلاؤه يعيشون والناس الآخرين يعيشون عيشة الأموات، لا بين الحياة ولا بين الموت. بالنسبة للحياة الاقتصادية كان لا يوجد ناس يملكون سوى القلة وعندهم ليرات ذهب، والأكثرية لا يملكون سوى جهدهم بالعمل. وكان بعضهم يتبع طريق التشليح والبلص والسرقة. لا توجد مدارس ولا يوجد علم ولا يوجد طريق عام يربط المدينة بالبلد ولا كهرباء ولا فكر، سوى بعض الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم، والحساب كان عبارة عن تعلّم جدول الضرب والتقسيم والجمع والطرح، وكان الجهل يخيم على البلد. وكانت تربية الأولاد تقوم على الرسميات بين الأب والابن. وكان الإبن يُربى على الولاء للعائلة المنتمي إليها ضد العائلة الثانية الخصم بالقرية. وكانت مهنة الولد مثل أبيه، يُعَلّمه الأب الفلاحة والزراعة والحصاد ووضع اللبن الطيني لعمارة المنازل للسكن.
وعمل الوالد كان نفس عمل الجد والظروف ما زالت كما هي.
وأجاب حول المهن التي تعلمها: تدرجت في عدة مهن بعد نزولي من قرية صوران إلى حلب، لأنني لم أتعلم شيئا سوى الفلاحة والزراعة والرعي. فتّشت بحلب عن عمل فلم أجد سوى وظيفة عامل عادي في مطعم، ثم عامل عادي في صب بيتون، ثم تعينت بعدها في بلدية حلب مراقب ورشة، ولم أستطع تعلم أي مهنة، ولم يعلّمني أحد مهنة. وكان أصحاب المهن يعلمون أولادهم وأقرباءهم. ولم يوجد وقتها أمامي غير العمل الخدمي، أي العمل الذي لا يقدم عليه أحد إلا الجوعان أو الإنسان المعوز الذي لا يوجد عنده شيء، فيضطر للعمل بأي شيء ليسد رمقه ويعيش.
حول الوضع في الحي أو الحارة أو القرية التي قطنها، ووضع السكان وحياتهم وعلاقاتهم مع بعض، أجاب: كان الوضع بمدينة حلب وكل أحيائها الشعبية يتعلق بالوضع العشائري، حيث كان يوجد زعماء أحياء مثل جبرة قطوش في الجابرية، يتزعم الطائفة المسيحية وكلمته لا تصير كلمتين في فترة حكم فرنسا وحتى عام 1954. وكان هذا الرجل يتبع لفرنسا وكان يفرض ما يريد في المنطقة، والعلاقة مشابهة في الأحياء الإسلامية، ففي حي الكلاسة الشعبي عام 1950 كان بكور جاموس زعيما بهذا الحي وكان من أتباع الكتلة الوطنية وحزب الشعب. وفيصل خلوف في حي قاضي عسكر – وأبو سعيد بري في باب النيرب، إضافة إلى وجود عشائر لا أعرف زعماءها أمثال عشيرة السخانة – البكارة – والعساسفة. وكانت الأحزاب المذكورة تدعم هذه الشخصيات لتفعل ما تريد وكانت علاقة الناس ببعضهم غالب ومغلوب، ظالم ومظلوم، غني غناء فاحش وفقير لا يوجد عنده شيء. والسلطة التامة تكاد تكون بيد هؤلاء الناس.
أقطن في حي الكواكبي في منزل طابق ارضي تحت الأرض بعشرين درجة، وإذا لم تصدقوا فأهلا بكم في بيتي. أعيل اسرة تعدادها 13 ولد (وأمهم) والراتب الحالي 2000 ل.س بعد خدمة ثلاثين سنة وأعمل حاليا ببلدية حلب كأمين فرفة (مفرّغ) ومعي وسام أسرة درجة أولى – أكبر الأولاد مواليد 1956 وأصغرهم 8 سنوات.
(ما انجزه هذا النقابي الذي أوصله "القدر" إلى منصب رفيع هو "تفريخ" الأولاد وكثرتهم أحد أسباب التحلف والأزمات، التي حلّت بالبلد.

( ) أي مفرّغ للعمل الحزبي، حزب البعث الحاكم، وهو عمليا لا يعمل شيئ في البلدية ويتقاضى هذا الراتب لإعالة هذا "الجيش"، الذي أنجبه... المشرف).