لقاء مع عامل نسيج ومن ثمّ سكك حديدية بحلب

المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:

الدارسة هيفاء برشة تسجّل حديثا شيّقا لعامل النسيج ومن ثمّ السكك الحديدية مع معلومات غنيّة عن حلب وريفها.
مُجرية اللقاء الدارسة: (هيفاء زياد برشة)
المتحدث: محمد الملا خلف من مواليد 1927، وهو من نقابة عمال السكك الحديدية، ومقيم في حلب – المساكن الشعبية. وجرى اللقاء به في 5/4/1988
كتبت الدارسة هيفاء:
"لأنني أعرف هذا العامل المتقاعد معرفة شخصية، استقبلته في بيتي وحاولت قدر الإمكان عدم مقاطعته في كلماته. كما أنني ابتعدت عن أسلوب السؤال والجواب حتى لا يطغى على الجو الملل والرقابة، وبالتالي لا يكون لحديثي جدوى.
طرحت عليه سؤالا واحدا وهو: تكلم ما تعرفه عن الحياة السابقة (الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية) وما مر في هذه الحياة، خاصة حياة العمال.
وتركت له حرية الكلام وبدأ يتحدث عن ماضيه وحاضره":
كان جدي وجدتي تركيا الأصل، وعندما توفيا كانا قد تركا والدي وعمره 10 سنوات وعمي عمره 8 سنوات فقط. وقد ترك جدي لوالدي بعض الأرزاق (مال-أرض- بيت). لكن بعض الرجال لاعبوا والدي بالقمار وكان طفلا، فخسر كل الرزق الذي تركه والده. وعندما جاءت سفر برلك تحضرت القافلة لتهرب إلى حلب وقد جاء مع الإسلام جماعة أيضا من الأرمن.
فجاء والدي وعمّي بالقافلة على أساس أن يعيشوا في حلب لمدة سنة أو سنتين، حتى تنتهي الحرب، وقد كان عمر أبي 10 سنوات. وفي ذلك الوقت حضر من الدول الأجنبية طبيبان لدراسة صحة الناس. وكنا نسمّيهم "مطهرين"، فذهب والدي معهم على أساس مساعدتهم إلى فلسطين. ولكن هناك منع الأمن العام البوليس الانكليزي والدي من الدخول إلى فلسطين وأجبروه على العودة، فرجع من فلسطين إلى بيروت ومنها إلى حلب.) (وعندما أصبح عمره 17 سنة تزوج أمي وهي أيضا تركت وهاجرت إلى حلب).
أما عمي، فقد تعلم السواقة من شوفور فرنسي وحصل على شهادة "سائق"، ثم تطوع عسكري فرنسي في الجيش الفرنسي. وبعد خروج الفرنسيين توظف في الإطفائية حتى بلغ سن التقاعد، وفي السنة الماضية توفي.
عند زواج والدي وعمي ونتيجة للفقر الذي أصابهما بعد هجرتهم من تركيا، عاشا في غرفة واحدة. وكنا نسكن في حارة اليهود، وقد حصل خلاف بين أمي وزوجة عمي، فافترقنا كل منهما في بيت.
كان والدي عاملا عاديا يعمل أعمالا مؤقتة يومية (عامل مطلق) فكان يعمل أحيانا (مزرق) وأحيانا (مكسر بحص) واحيانا حمّال أمتعة. وفي سنة 1936 وأوائل 1937 وبحثا عن الرزق، رحل بنا والدي إلى بيروت وسكنّا في ممر مقسم لأربع عائلات بالشراشف، وكانت الثياب التي نلبسها نذهب بها إلى العمل وننام بها أيضا. في بادئ الأمر وضعوني عند (سمان) يبيع خضرة وكان عمري 10 سنوات، وكان ذلك عام 1937 وكانوا يسموني (صانع سمان). أما أبي فكان يعمل في مخزن حيث يقوم ببيع الخشب ونقله من المخزن إلى السيارة. بقينا سنة في بيروت، وما لبث والدي أن أصرّ على العودة إلى حلب لأنه لم يحب بيروت لأنها حسب ادعائه (أنها بلاد الفسق والبنات فيها لا دين لهنّ). وكان والدي يعود من عمله في بيروت في الساعة الثالثة ظهرا، وباقي اليوم يقضيه مع رفاقه للأحاديث العادية والأقاصيص ولعب الورق والطاولة والتفكير بكيفية التخلص من واقعهم الفقير والمؤلم.
ورجعنا إلى حلب عام 1938 ونزلنا مبدئيا في بيت عمي، وقد طبخت لنا زوجته لحمة بالفرن حيث كان عمي يعمل موظفا بالاطفائية، وكان راتبه 60–70 ل.س، وهذا مبلغ كبير في ذلك الوقت حيث كانت الليرة الذهبية تساوي 5.5 ل.س. ثم انتقلنا إلى منزل نسكن فيه لوحدنا، وحطّني والدي عند النوّال العربي (النول الحياكي) وكان في الدكان الذي أعمل فيه 3 أنوال (عام 1938) وكان عملي لا يتعدى تلبية الحاجات الخاصة للصانع والمعلم (روح جيب غدا – روح لعند معلمتك شوف شو بدها – روح جيب قادوس مي من الجب). كان صاحب الدكان (محمد زنبلكجي). لقد كانت أصول الحرفة أن أعمل خادم لمدة (5-10سنوات) وكان اسمي (أجير). وعملت لمدة سنة في دكان النول ولم أعرف كيف يعملون على النول، بل لم أعرف مما تتألف. واعترضت للصانع، حيث لم يكن يسمح لي بالتكلم مع المعلم، والمعلم نكاد أن نراه، فهو يذهب إلى معلم المدينة (تاجر) ليأخذ المواد الأولية منه، وهذا يحصل على المواد إما بواسطة معلمين آخرين يسافرون إلى دول أوروبا لهذه الغاية، وأغلب هؤلاء المعلمين كانوا (مسيحية – يهود – أرمن)،
وإما بواسطة مكاتب السماسرة الذين يعرفون لغة أجنبية، فكانوا يومنون ويحصلون على البضائع عن طريق طلبها بالهاتف. حيث كان الهاتف في حلب يدوي، وكان المركز الأساسي للشرق الأوسط هو بيروت. فكان السمسار يهتف إلى بيروت وبيروت تتصل إلى الخارج لتأمين ما تم طلبه عن طريق مينائها، فكانت البضائع تستلمها الدولة والتجار. وكان التجار على مستوى جملة ومفرق. وعندما اعترضت للصانع على تفاهة عملي وأنني لا أعمل شيئا ولا أستفيد، أوعز لي الصانع بأن وقته سيذهب في تعليمي، بالإضافة إلى أنني كنت أشعر أنه يريد الصنعة لنفسه. المهم بعد إلحاح متكرر مني قال لي: "يوم الجمعة بعلمك". وأول عمل قمت به هو أنني كسرت المكوك. وكان المكوك مصنوع من خشب الجوز وكان سعره آنذاك خمس قروش. فذهب ليأتي بالحبل ليكبلني ويرقعني فلقة لأنني كسرت المكوك، وكان الضرب إحدى الوسائل المهمة لتعلم المهنة، وعندما ذهب ليحضر الحبل هربت إلى المنزل فلحق بي الصانع، فعوض والدي الخسارة للصانع. ولم أعد أرغب بالعودة إلى العمل، فوضعني والدي عند معلم آخر (عبد السلام بارودي) وكان عنده نول وحيد وكان هو يعمل عليه ويعمل لوحده دون استخدام أحد لديه – وبدأ يعلمني وقد تعلم الصنعة في الشام.
وأيضا لم يخل الأمر من تأمين حاجيات المعلم الخاصة وزوجته، وقد كنت سعيدا بعض الشيء، فقد كنت أرى زوجة المعلم وهي امرأة جميلة وكانت تتزين كثيرا. المهم أنني تعلمت من المعلم بعض الشئ، فكانت المهنة صناعة الأقمشة من الحرير. وفي إحدى المرات نزعت الحرير المركب على الآلة، فأغلقت الدكان وذهبت إلى منزل المعلم ودسست له مفتاح الدكان من أسفل الباب وذهبت إلى منزلنا. ولكن جاء المعلم وسامحني وعلمت فيما بعد، أنه سامحني ليس محبة بي، ولكن لأنني كنت نشيطا بالإضافة وهذا الأهم أن أجرتي لم تكن تتعدى الفرنكين في الجمعة، مع العلم أن رفاقي كانوا يعملون عند معلم آخر بأجرة ليرتين في الجمعة، لأن هذا المعلم كان يملك أنوالا عديدة، بالإضافة إلى أنه يمارس أعمالا أخرى غير النسيج. وعملت عند المعلم عبد السلام سنة، وتركت لأنه لم يزد لي أجرتي. وذهبت أعمل عند المعلم (أحمد الخضري) وأصبحت أجرتي ليرتين في الجمعة. وكان المعلم السابق يسال عني لأنني تركته وهو الذي علمني الصنعة. ولكن اعتراضه لم يؤثر بي أو لم يكن هناك قانون يجبرني على العودة إلى المعلم. واستمريت أعمل عند المعلم أحمد الخضري.
وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية، جاء تجار عراقيون وأخذوا كل أقمشة الحرير والغزل والشراشف من حلب ونقلوها إلى العراق، لأنه لم يكن عندهم صناعة النسيج، حيث كانت حلب تعتبر المركز الأول لصناعة النسيج باعتبار أنها قريبة من تركية، كما أن حلب أقدم مدينة. كما أن معلمو النسيج فيها ورثوا صناعة النسيج أبا عن جد، وأيضا كان نصف سكان حلب يعملون في النول. وبعد مدة من عملي أنزلت أخي الأصغر مني معي في المعمل، وكان عمره 9 سنوات. كان لمعلمي صنعة أخرى وهي صنعة الدلالة (دلال أو سمسار) وهو ما نطلق عليه قديما (كمسيونجي). فعندما ينزل الفلاح رزقه من الضيعة إلى المدينة، فهو يحتاج إلى خان يضع فيه جماله أو بغاله أو حميره وأيضا إنتاجه، فكان معلمي هو صاحب الخان وكان معلمي يبيع الأقمشة مباشرة حيث يذهب يوميا لمدة ساعتين إلى السوق ليبيع الأقمشة. وكان المعلم لا يعمل ولكنه يشرف على العمل ويديره، وفي حال غياب معلمي كنت أحل محله، فكان يعطيني أجرة برانية (إضافية) جزاء ذلك. عملت عند المعلم أحمد الخضري ثلاثة سنوات وكان العمل في النول متعب جدا وخاصة الجلوس فى الدفة اسمها (الزيركونة) أمام النول.
في عام 1935 تأسس معمل النسيج في حلب وكان المعمل شركة مساهمة أهلية للمواطنين ويعتبر أول معمل في سوريا. كان عدد عماله 3000 عامل يعملون على ثلاثة أجواق، كل جوق 8 ساعات. كنت أذهب كل يوم سبت إلى معمل النسيج لكي أستطيع العمل به. في هذه الأثناء كنت ما أزال أعمل عند المعلم الخضري. وكان السيد هانك الألماني هو مستلم المعمل وهو المسؤول عنه، وهو الذي يختار العمال الذين يأتون ليعملون في المعمل. لقد كان المسيو هانك ينتقي العمال من خلال النظر، فكان يقف في بهو المعمل ونحن من وراء سور المعمل، نقف متزاحمين نريد الحصول على عمل، وكان عددنا في كل مرة يتزايد ليصل إلى المئات من الراغبين في الحصول على عمل. وكان المسيو هانك يختار منا خمس أو ست عمال والباقي "يكشنا". وفي خامس أو سادس سبت ذهبت به إلى المعمل اختارني للعمل، وكان عمري 13 سنة، حيث مسكني من كتفي وأقحمني داخل المعمل. كان قانون العمل أن يعمل العامل عند أول دخوله للمعمل أول أسبوع بالمجان، وثاني أسبوع تبقى الأجرة رهنية حيث لا يعطون الأجرة للعامل للتعويض عن السرقة أو الإهمال في حال ارتكابها من قبل العامل، أما الأسبوع الثالث يأخذ العامل أجرته. وقد كنا نعمل أول ثلاثة أسابيع دون أن نعرف الأجر ولم نكن نجرؤ على السؤال على قيمة الأجرة فلا يحق لنا ذلك (شحاد ومشورط ). كان العمل في المعمل يتم على عدة مراحل وسير العمل كما يلي: تأتي جوزة القطن على المحلجة فتنظف من القطن عجوته (بذرته) والقشرة، ثم يبقى القطن خالصا وكانت هذه العملية أغلب عمالها من الفتيان لأن عملها بسيط. ثم يأتي العمل الصعب حيث يتم غزل الغزل وجعله خيوطا ثم صبغه ثم جعله نسيجا. لم يكن هناك قانون عمل ولا تعويض للعامل، فقد تتوفر حرية العامل في العمل أو ترك العمل. كانت الأجرة كل يوم خميس وأجرتي كانت في اليوم عشرين قرشا. أما يوم الجمعة فكان يوم استراحة غير مأجور، وكان الحضور والانصراف بالكرت، فالكرت يحدد في أية ساعة جئت وانصرفت، وكان دوام العمل من الساعة السادسة صباحا حتى الثانية بعد الظهر، ولكن غالبا كنا نأتي قبل الساعة السادسة خوفا من التأخير بالدرجة الأولى، كما أننا لنستلم الآلة من عامل الفوج السابق كما أننا أكثر من ذلك لنسلم الآلة للعامل اللاحق. لقد كانت ساعات العمل ثمانية ساعات متواصلة خالية من أي استراحة أو ساعة طعام.
لقد كان التأخير عن العمل قاسيا كالآتي:
تأخر 5 دقائق، أي الحضور الساعة السادسة وخمس دقائق معاف في حال تأخر لمرة أو مرتين
تأخر أكثر من 5 دقائق إلى 10 دقائق، حرمان أجرة ربع يوم ويدق التأخير بالخط الأحمر لينتبه إليه المحاسب مباشرة.
تأخر ربع ساعة، حرمان أجرة نصف نهار.
لم يكن هناك قانون عمل يحمي العمال. ولم يكن حتى العمال يفكرون لسن مثل هذا القانون.
ونظرا لأن عمي كان شوفور الوالي وكان مدير الشركة (محمد خليل المدرس)، وهو والي حلب بالوكالة نظرا لمرض والي حلب الأساسي (نبيه مارديني)، والوالي يعني المحافظ، لذلك زودولي أجرتي خمسة قروش، فأصبحت أجرتي 25 قرشا في اليوم، وبذلك أصبحت مثل زملائي بالأجرة الذين سبقوني في الدخول إلى المعمل الأشهرالسابقة. كنا نذهب إلى المعمل ونعود منه سيرا على الأقدام لأنه لم يكن هناك مواصلات. وللوصول إلى المعمل كان لا بد أن تمر على منطقة كان يسكنها الأرمن. وكانوا يتعرضون لنا وهم بحماية فرنسا
فبدأنا نتحد عشرة أو عشرين عاملا، نخرج سوية إلى المعمل، ثم جاء أمر من الشرطة لمرافقة حراس المعمل مع أسلحتهم لحماية العمال من اعتداءات الأرمن. أذكر يوما جاء ولد مسلم ينظر من ثقب باب مسبح "فاروق" على الأرمن الموجودين داخل المسبح، لأنه سمع أصوات غنائهم، فرأوه ورموه بحجر كبير من السطح، فانكسر ظهره فصرخ. وكان عمال معمل النسيج مصروفين من المعمل فركضوا ورأوا الولد واقع على الأرض متألم، فنادوا بعضهم البعض حتى وصل عددهم إلى 700 عامل وضربوا الأرمن الذين كانوا في المسبح. وبعد انسحاب فرنسا، بدأنا نحن نتعرض للأرمن ونؤذيهم (كان الطابع الديني هو الغالب لارتباط العمال).
وفي عام 1939 صار غلاء وقت الحرب، وكانت الدولة الفرنسية تخبئ محصول البلد وصار الخبز بالبون (البطاقة)، يذهب كل عامل إل السرايا ليعطوه خبزا حسب عدد أفراد عائلته وكان الخبز سيئ جدا، كان يخلط فيه بطاطا وعدس وذرة وشعير. لقد كنا جوعانين في ذلك الوقت ونعيش على العتمة ليلا ونهارا، لقد كان الوضع لا يبشر بالخير، عمل قليل وأجر قليل ومواد قليلة. كانت فرنسا تصادر الراديوهات والقداحات وكنا ندفع على الراديو ضريبة 12 ل.س في السنة. كنا نختبئ من أجل أن نسمع أخبار. ولم يكن للعمال أي رأي عن الحرب ولم يكن هناك تنظيم نقابي يرشدنا إلى الصواب.
وفي نفس العام خرج العمال ونظموا جنازة الشيخ مكوك، حيث وضعوا في التابوت مكوكا وقادوه، وكان عبارة عن إضراب لزيادة الأجور وغلاء الأسعار والتعهد بعدم العمل بالصنعة. وأثناء تشييع الجنازة كنا جائعين وبدأنا نأكل الطعام الذي نراه سواء على العربيات أو في الدكاكين (هناك البعض من العمال منا ما أن يسدوا جوعهم أثناء الإضراب حتى يعودوا إلى منازلهم دون أن يستمروا مع رفاقهم). كان كيلو الخبز بفرنك وزودوه قرشين فأصبح 7 قروش. فبدأنا نصرخ بالإضراب (يا والي يا بو بخشين – غليت الخبز قرشين) فعاد كيلو الخبز بفرنك (الشعارات التي كانت تطلق في الإضرابات لم تكن على مستوى من الجدّية. وكان العمال يرفضون تمديد المياه والكهرباء لبيوتهم حتى لا يدفعوا تعويض التمديد والآجار. ووصلنا بالجنازة إلى السفطية) ( وجاءت الشرطة فهرب البعض واستمر البعض وكنت انا من بين الأربعين. كان العمال أثناء الجنازة يفتحون الدكاكين قسرا للاستيلاء على الغذاء الذي فيها ويوزعونه على الشعب. وفي عام 1941 خفّ المازوت نتيجة الحرب ولم تعد تسد كمية المازوت المتوفرة حاجة الموتور الذي يستنير المعمل به، فخفض أصحاب المعمل أجواق العمل من ثلاثة أجواق إلى جوقين وزودوا ساعات العمل 10 ساعات كل جوق، فطالب العمال بزيادة الأجرة لأن ساعات العمل زادت بالإضافة إلى عدم تأمين قيمة الأجرة لمستلزمات حياتهم الضرورية، فأضرب العمال وكان عددهم يتجاوز الـ 2500 عامل مدة 40 يوم عن العمل، وكان المطلب الأساسي زيادة الأجرة 50 %.. وقد اتفق أغلب العمال الذين كان عمرهم فوق 20 سنة أن يشكلوا مناوبة فيما بينهم، على أن يرصدوا العمال الذين يأتون إلى العمل للاستمرار في العمل، خاصة أولئك العمال الغير موافقين على الإضراب والذين ينافقون لأرباب العمل من أجل حصولهم على مرتبة وأجرة أكثر من رفاقهم. فكان كل أربع أو خمس عمال من المضربين يقفون على طول الطريق ويرمون بالحجارة أي عامل يأتي للمعمل ويجبرونه على العودة إلى بيته. هذا الإضراب تم عندما لم يكن مدير المعمل الأساسي موجودا، فقد كان في إحدى الدول الأجنبية. المهم بإيعاز من منظمي الإضراب (لم يكن العمال يعرفون المنظم الحقيقي للإضراب، فقد كانوا عندما يسمعون بأنه يجب أن يضربوا يشتركون بالإضراب بعفوية دون أية استفسارات عن منظمه وهدفه، كما كان بشكل عفوي ارتجالي بعيدا عن كل تنظيم أو تذكير مسبق).
قمنا بمظاهرة عند عودة المدير من الخارج، فخرجنا متظاهرين من المعمل حتى بيت المدير "نُفيشه"؟ وندعو له "طيلة العمر" حتى يزود لنا الأجرة، فوافق على الزيادة وطلب منا العودة إلى العمل فعدنا. لقد عاش أغلبنا في فترة الإضراب مما كان يخزّنه في بيته (مؤونة) من غذاء، والبعض الآخر باع حاجيات بيته. وبعد العودة إلى العمل وبعد ستة أشهر وعن طريق جواسيس من العمال لطرف الإدارة، علم مجلس الإدارة بأسماء منظمي الإضراب وبدأ بتسريح العمال منظمي الإضراب، كل مرة اثنين أو ثلاثة منهم وعلى مراحل، وعلى فترة ستة أشهر كانوا قد انتهوا من جميع منظمي الإضراب.
ثم تركت العمل في المعمل، لأن أحد رفاقي أطال لسانه على مراقب الدوام، فعاقبه هذا بحرمانه أجرة نصف نهار، فعندما خرج رفيقي رأى عقوبته معلقة على جدار المعمل فخزق العقوبة، وقال لي:: أنا لم أعد أشتغل، فلحقنا به أنا وأربعة من رفاقي، فنادانا مراقب الدوام وطلب منا أن نستمر في العمل، أما رفيقنا المعاقب فسيبت بأمره مجلس الإدارة. ولكننا رفضنا العودة إلى العمل إلا إذا عاد معنا رفيقنا، فرفض المراقب فتركنا العمل. في عام 1942 أصدر قانون العمل ولكن لم يعمل به حتى عام 1945 وأهم ما جاء في هذا القانون الإجازة و الأجرة يوم الجمعة ثم تعدل هذا القانون نتيجة نضال العمال وكان العمال يهددون بعد صدور قانون العمل، إذا لم ينفذ صاحب العمل ما جاء في القانون بأنهم سيلجؤون إلى القضاء. وكانت معاملة رفع الدعوى قيمتها 7 فرنكات وكان يُبتُّ في أمر الدعوى خلال شهر من تقديمها ودون محامي.
في عام 1942 كانت الكتلة الوطنية مقرها في سوق العتمة (منطقة العوميد) حيث يجتمع زعماء حلب ضد فرنسا، وقت خروج فرنسا بقيت الكتلة الوطنية. وحصل خلاف بين أعضائها حول الأهداف والمناصب، فانشقت الكتلة إلى قسمين: جماعة راشد بن كيخيا وسميت حزب المعارضة، من ثم حزب الشعب وكانت الأغلبية معه وجماعة الجابري والكيالي والمدرس (وهم من أرذال أهل حلب) وسميت الحزب الوطني. على كل ما شفنا خير من كل الأحزاب بس مصالحهم الخاصة.
أذكر عام 1942 جاؤوا وقالوا لنا: اليوم في مقر نقابة السائقين في بستان "كليب" (كلاب) سياتي خالد بكداش ليلقي كلمته، وفي الموعد المحدد امتلأ المكان بالناس، ولكن جاء البوليس ونهى الاجتماع وهُزِمض خالد بكداش خارج الاجتماع.
أكثر من عدد الأحزاب لا يوجد! ومع ذلك كله حبر على ورق.
حزب القومي السوري في عهد الشيشكلي وحزب الشيوعي وحزب الأخوان المسلمين وحزب البعث. جاء والدي يوما وقال لنا أن (عمال السكك الحديدية) أضربوا وناموا على جسر الشيخ طه، وكانوا حوالي 7000–8000 عامل بهدف زيادة الرواتب، فجاء البوليس الفرنسي ليقبضوا على العمال المضربين. فقام العمال وذهبوا طواعية إلى السجن. فما كان من أحد النقابيين الفرنسيين إلا أن خطب بالفرنسية لتهدئة العمال، وكان النقابي السوري يترجم ما يقول الفرنسي. ثمّ غمز المترجم السوري للعمال أن يرفضوا اقتراحات الفرنسي، كما غمز لسائق القطار ليكبس الزمور، فكبسه، فخرج شحوار (فحم) فاسودت بدلة النقابي الفرنسي وكان لونها أبيض، مما أثار منظره ضحك العمال، فكان ذلك تعبيرا عن رفضهم لهدنته وخطاباته.
في أواخر عام 1943 عملت في معمل (شبارق وحمامي). في هذه الأثناء وأصبح للمعمل (نسيج حلب) نقابة. وكان من بين أعضاء هذه النقابة عدد من أعضاء مجلس الإدارة بالإضافة إلى أعضاء انتقاهم مجلس الإدارة، حيث كان المجلس هو المسيطر على النقابة في المعمل (كان أكثر أعضاء النقابة هم من مساندي أرباب العمل في المعمل الذي تنشأ فيه النقابة).
وكان معمل (شبارق وحمامي) للغزل والنسيج، ولقد شغّلْت الأخ الثاني لي في المعمل. وكانت أجرتي في المعمل 65 ق.س يوميا بعد أن كنت أقبض في المعمل السابق ليرة وربع يوميا. وكان العمل 12 ساعة من الساعة السادسة صباحا حتى السادسة مساء، بعد أن كان العمل السابق 8 ساعات. و 12 ساعة عمل دون أكل وهي ساعات متواصلة، وعندما اعترضت على أجرتي قال لي حمامي: أنت ابن جارتنا ولازم تعمل معنا، فنحنا أحق ببعضنا من الغريب، وقريبا سنزود لك الأجرة. فقبلت وكنت كل ما أعترض على الأجرة كانوا يزيدونها خمس قروش أسبوعيا. وبعد سنة تركت العمل وعملت في عام 1944 في شركة الكهرباء بالواسطة (بواسطة عمي) وقد عملت بصفة مؤقتة كل ثلاثة اشهر، أوقع على عقد جديد حتى نسعة أشهر. كانت وظيفتي في شركة الكهرباء هي مدهن ترومايات (حاملات)، وأثناء وظيفتي في شركة الكهرباء بدأت المشاكل والمظاهرات من عمال وطلبة (لم تكن هناك إضرابات عمالية بحتة بل سرعان ما يؤيد هذا الإضراب الطلاب والعكس صحيح) ضد فرنسا، مما أدى إلى أن امتنعت الشركة عن العمل. فكان العامل المثبت في عمله يأخذ راتبه وهو قاعد في بيته. أما نحن العمال الغير مثبتين، فلم نحصل على الراتب ولكنهم أعطونا شهادة من خلالها يمكن أن نتوظف في شركة الكهرباء من جديد عندما يعود عمل الشركة. مما جعلني أعمل في معمل (حاج وهبي الحريري) وحاليا نطلق عليه بعد تأميمه (معمل شركة الشهباء). كان هذا المعمل قد فتح حديثا، فطلب منا الحاج وهبي أن نركب الماكينات القديمة بالإضافة إلى الماكينات العتيقة التي جلبها من هنغاريا لتلهية العمال، حتى تأتي الآلات الحديثة (الماكينات) من انكلترة. لقد فتح الحاج وهبي المعمل ليس لأنه من راغبي أن يكون من أصحاب الشركات، بل كان عمله تاجرا سمسارا (هل يمكن أن تتحول البرجوازية التجارية إلى برجوازية صناعية؟) ولكنه فتح المعمل تحديا لشركة الغزل والنسيج لأنه عندما كان تاجرا اشترى منهم كمية من القماش، على أن يستلمها بعد ستة أشهر ولكن بعد هذه المدة ارتفعت الأسعار بشكل كبير فامتنعوا عن تسليمه البضاعة وطالبوا بإلغاء الصفقة، فأقام الحاج وهبي عليهم دعوى قضائية، وأثناء الدعوى قام بتأسيس معمله للمضاربة على شركة الغزل والنسيج.
وعندما ربح الدعوى أقام للعمال حفلة – كان الحاج وهبي أفضل من غيره من المعلمين، حيث كان بين حين وآخر يوزع علينا من 25 – 50 كغ رز بالمجان، كما أنه فصّل لنا بدلات عمل على حسابه، وكان في شهر رمضان يُسحِّرُنا على حسابه للجوق الذي يصادف عمله في ساعة السحورَ. وأثناء عرسي تبرع لي بقيمة بدلة العرس، ولكني كنت قد فصلت البدلة سلفا، فاشتريت بدلا عنها ست أساور ذهب لعروسي، وقد طلبت من الصائغ أن يسجل على الفاتورة قيمة الأساور ليدفعها المعلم وأعطيت الفاتورة إلى عبد الكريم بوادقجي، وهو الرجل الذي يعتبر صلة الوصل بيننا كعمال وبين الحاج وهبي، وقد ألف كتابا عن صناعة الغزل والنسيج. وهو الذي شجعني أن أشتري الأساور وقد دفع الحاج وهبي قيمتها إلى الصائغ. وكان الأجر نقدي، وكان يوجد إكرامية ولكنها لا تعطى لكل العمال بل لـ 40 أو 50 عامل يكون من رؤساء الورشات أو رؤساء الصالات.
وفي عام 1946 وما بعد الجلاء عمل الحاج وهبي في مجال السياسة
(أكثر رجال السياسة آنذاك كانوا من أصحاب العمل) فأصبح عضوا في مجلس النواب في حكم حسني الزعيم وتعاون معه فأصبح وزير المالية، وهو أمم النقد السوري. وعندما قُتل حسني الزعيم هرب الحاج وهبي إلى تركيا، ونهب أقرباؤه أمواله، ولكن عندما جاء الشيشكلي عام 1954 رجع الحاج وهبي إلى سوريا وتعامل مع الشيشكلي حتى جاء التأميم. ونحن نعمل في معمل الحاج وهبي تكونت نقابة معمل الغزل والنسيج، وكان أعضاء النقابة في معمل الغزل والنسيج مأسورين (أسرى) لمجلس الإدارة. وعندما أردنا الانتساب إليها رفضوا ذلك بحجة أن كل نقابة للمعمل الخاص بها. فشكلنا لجنة وذهبنا إلى الشام لنقابل وزير الداخلية، وكان هو نفسه وزير الشؤون الاجتماعية والعمل ليمنحنا إما موافقة لتشكيل نقابة في معمل الحاج وهبي، أو أن يأمروا في انتسابنا إلى نقابة معمل شركة الغزل والنسيج. وبدأ العاملون في الوزارة "يشلفونا" من وزير إلى وزير، فقالوا لنا جماعة من الاشتراكيين: اذهبوا إلى أكرم حوراني.
فذهبنا إليه ووعدنا خيرا ولكن لم يطلع معه حل ولا جواب. وأذكر أن مجلس الإدارة في شركة الغزل والنسيج قد أهدوا شكري القوتلي من 300 إلى 400 سهم عندما زار الشركة، وقد خرجت هذه الأسهم من جيب الشعب المساهم للشركة. كانوا في نهاية كل سنة يدفعون للعمال إكرامية وجزء من الأرباح فيدعون المساهمين ويتم أمامهم التوزيع وكانت الأرباح توزع على رأي مجلس الإدارة وحسب الأسهم وطبعا كان للمساهمين الكبار منهم الحصة الأكبر (محمد خليل المدرس – أحمد مدرس- خضير – عبد الرحمن كيالي...)
لقد كنا ونحن نعمل في معمل الحاج وهبي نطالب بزيادة الأجر عندما تكون حركته نشيطة في السوق، وعندما تقف الحركة لا نطالب بالزيادة. وكان الإضراب يتم بأن يطلب المعلمون في المعمل من العمال أننا بدنا "زود" وفي الساعة الفلانية كل واحد يوقف ماكينته – نقوم بتكسير الزجاج ونسب الحاج وهبي ويسبنا ونبقى على هذه الحالة حتى يلبي زيادة الأجور.
زوجة الحاج وهبي سألته يوما: لماذا لا يعطيهم الزيادة مباشرة دون حاجة الأخذ والعطاء، طالما بالنهاية تلبي لهم الزيادة؟ فقال لها: وكيف أزيد وأري كل المعلمين الكبار أن عمال الحاج وهبي بهذا العدد وبهذه القوة ومع ذلك أستطيع السيطرة عليهم؟
كان في هذه الفترة أي 1952 حزب الشعب من أقوى الأحزاب، وكان يسمى حزب المعارضة وكان يتألف من حزب الشعب هو أقوى الأحزاب. وإلى جانبه جماعة كيالي (الحزب الوطني). وعندما جاء الشيشكلي عام 1954 ألغى كل الأحزاب وشكل حركة التحرير وتزعمها.
في عام 1956 عملت في السكة الحديدية، وكان رئيس نقابة السكك (فؤاد الرفاعي)، وكان هو والمديرية ضد المدير (محمد العالم) وكان هذا لا يوافق على مطالب فؤاد، وفؤاد يعتبر بحق مخلصا، أما الذين جاؤوا بعده كلهم يعملون لمصالحهم الخاصة.
الأولاد:
أنجبت 17 ولد، توفي ستة في سن الطفولة بقي 11:
7 بنات أغلبهن متزوجات و ثلاثة تعملن بمهنة ممرضة، خياطة في معمل، معلمة بالوكالة.
4 ذكور: الأول سائق سيارة والسيارة ملكه لأنه سافر إلى السعودية وعمل خمس سنوات حتى استطاع تأمين بيت وسيارة في حلب.
الثاني عامل ميكانيكي في الإسكان العسكري
الثالث نجّار موظف بالإسكان
الرابع طالب
الأخوة: جميعهم متزوجون:
3 إناث متزوجات ولا يعملن وإحداهن استشهدت في حرب لبنان حيث كانت تقطن هناك مع أسرتها
4 ذكور: الأول لا يعمل عملا ثابتا، تجول ما بين لبنان وألمانيا والكويت. الثاني سائق سيارة والسيارة ملكه. الثالث موظف في الخطوط الحديدية السورية. الرابع موظف في شركة التعمير السورية.