أنطون ووالده عاملا السكك الحديدية

المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:

مُجري اللقاء الدارس: مفيد الخضراء.
المتحدث: أنطون سمعان، من مواليد 1925، دمشق، ميدان- باب مصلى.
جد المتحدث من عشيرة بني غسان من اللجاة (بين حوران وجبله اي السويداء. هرب من اللجاة إلى دمشق وسكن في حي زقاق الموصلي في الميدان- باب مصلّى.( )
{كان المسيحيون يسكنون في جزء من حي باب مصلى المجاور شمالاً لحي الميدان. ويُشار إلى أنّ مسيحيي باب مصلى لم يصابوا بأذى في أحداث 1860 بعكس الأحياء المسيحية في شرقي دمشق القديمة التي تعرضت للنهب والحرق وقُتِل عدد كبير من سكانها. وهذا برهان على أن الهجوم على الأحياء المسيحية جرى لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية استغلت فيها القوى المناهضة للإصلاح في الدولة العثمانية المشاعر الدينية لإجهاض التنظيمات الجارية في الدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر.}
عمل أجير نجار عربي في ورشة نجارة، وساعده رئيس الورشة بسبب صدقه في العمل، وعلّمه المصلحة. كان يحصل على الخشب من الحاصل والمخازن، ولكن العُملة في ذلك الوقت كانت قليلة، لا يستطيع الإنسان أن يشتري هذه الأمور إلا بالتوفير الشديد والاقتصاد المضني. كان يسكن بالآجار، وعندما مارس مصلحة النجارة كمعلم، اشترى البيت الذي كان يسكنه كمستأجر، وتزوج وأنجب خمسة أولاد وبنت.
رغم الأحداث التي ذكرت عن كفاح هذا الإنسان، كانت الظروف قاسية جداً أيام الحكم التركي، فكان الفقر والجوع والمرض والحرمان، وكان الضغط التركي ممارس على الشعب وخاصة على الفقراء منهم، إلا أن هناك بعض الناس الذين كانوا يتملقون للأتراك آنذاك، ودعيوا بـ "لقاليق السلطان".( ) والشخص الذي يرضى عنه الاستعمار التركي يضعه في مكان محترم، ويوهبه أملاكاً وفيرة، والعكس صحيح. وكان عامة الشعب في حالة فقر، فكان الشخص لو وجد قشر الفول لطبخه وأكله.( )
{هذه المبالغات نجدها عند أكثر من كانوا يتحدثون عن الماضي العثماني.}
كان يزور هذه الأحياء الفقيرة طبقة محددة من الشعب، وهم أصحاب النفوذ ضمن المنطقة، ليكسبوا ودهم. وكانت العلاقات الاجتماعية جيدة، إضافة إلى ذلك كانت طبقة الشعب متضامنة مع بعضها ضد الظروف القاسية الممارسة ضدهم، فكانوا يتعاونون مع بعضهم بعضاً ويحبون بعضهم حباً جماً، فيفرحون لفرحهم، ويحزنون لحزنهم. إضافة إلى العذاب والفقر كانت في تلك الفترة التفرقة موجودة، حتى على مستوى الأديان والشخصيات.( )
والد المتحدث هو أكبر أولاد الجد، كان يتعلم في أحد المكاتب. فكانوا يعملون لكي يحصلوا على أجرة هذه المكاتب عند أحد الأغنياء بكافة الأعمال، وفي مختلف المجالات. وكان إذا أراد أن يعمل عند أحد الأغنياء، يجلب لهذا الفتى بعض الناس كواسطة لكي يرضى أن يشغل هذا العامل. وعمل الوالد بعد هذه المرحلة حداد عربي، فكانوا يصنعون المِعْوَل والرفش في منطقة زقاق "القره شي" بالميدان، وكانت أجورهم قليلة جداً. كان أخوته يعملون أحدهم أجير خباز، والآخر أجير خضري، والثالث عند تاجر حبوب.
وعندما أصبحوا في سن الرشد تقريباً، قام الحكم التركي بسوق الشباب في هذا السن إلى العسكرية. حاول هؤلاء الشباب الهرب، ولكنهم لم يستطيعوا، فقام الحكم التركي بإلقاء القبض عليهم وربطهم بالحبال، وكان إن نظر أحدهم إلى أحد الجنود الأتراك، يضربونه أشد الضرب.
تمكّن إخوة المتحدث من الهرب من العسكرية وظنّ أهلهم أنهم في ساحات القتال، ( ) وبعد أكثر من عام على سوق إخوة المتحدث إلى الحرب سمعت والدتهم أن أولادها استطاعوا الهرب والسفر إلى أمريكا. وكان الطريق الذي سلكه الأولاد أنهم هربوا إلى منطقة الفيجة، ثم ذهبوا عن طريق الجبال إلى لبنان. كانت هذه الرحلة مجازفة، لأنهم في كل الحالات أموات. عند وصولهم إلى لبنان (ميناء بيروت) وجدوا باخرة تريد الإبحار، صعدوا إليها دون مال وأي إثبات يثبت شخصيتهم، فعملوا ضمن هذه الباخرة برعاية الدواب، وبقوا على هذه الباخرة دون أن يعرفوا أين هي متجهة مدة أربعة شهور ونصف، قالوا أنهم أصبحوا في أمريكا الشمالية، فعرض عليهم المسؤول في الباخرة أن يعودوا إلى بلادهم فرفضوا، ولكن أرسلوا خبراً مع هذا المسؤول إلى أهلهم أنهم رحلوا إلى أمريكا الشمالية. وبعد مدة من الزمن والأعمال الصعبة التي كانوا يعملون بها خارج نطاق المدينة، دخلوا إلى المدينة وتعلموا من بعض الناس اللغة الانكليزية، وأصبحوا يعرضون في الشوارع الحاجات مثل "البسطة". وبعد فترة عمل هؤلاء الشباب مع شخص ألماني يسكن في أمريكا ولديه معمل جلد، وبعد مدة طويلة من الزمن ترك هذا الألماني المعمل لهؤلاء الشباب لقاء أتعابهم، وأصبح المعمل ملكاً لهم، لأنهم لم يكونوا يعملون بأجر سوى أكلهم وشربهم. وبعدها تزوجوا من بنات الجاليات العربية هناك.
بعد أكثر من سنة على سوق إخوة والد المتحدث إلى الحرب جاء دور والد المتحدث في السوق إلى العسكرية أيام السفر برلك. وسيق الشباب إلى منطقة تدعى "شنا قلعة".( )
استطاع والد المتحدث الفرار إلى بستان يدعى "بستان الموازيني"، ويدعى حالياً المجتهد، وهرب من وجه الأتراك، لكي يعمل في هذا البستان. كان مالك هذا البستان أحد لقاليق السلطان، وكان بالقرب منه بستان آخر يعمل به يدعى "بستان الفوال". وكان أجر هذا الإنسان هو أكله وشربه وحمايته والتستر عليه، في أن لا يقبض عليه من قبل الأتراك.
أما مصير الشباب الذين لم يهربوا، فكان أغلبهم من مات من التغريب أو مات من العمل الذي أوكلوا به، وبقي والد العامل هربان عند الموازيني إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، فأحس بالفرج. كانت تركيا حليفة ألمانيا. وهُزِمَت تركيا وألمانيا على يد فرنسا وانكلترا والثورة العربية الكبرى. في هذه الفترة أحس الإنسان بالاطمئنان. فعاد والد المتحدث على حارته في باب مصلى، وتزوج واستأجر غرفة، وأصبح يزاول عمل أجير نجار. وبعدها عطف أحد لقاليق الاستعمار الجديد ( ) على هذا الإنسان، وشغّله في سكة حديد الحجاز الذي كان قد بدأ في عملها الأتراك والألمان.( ) وكان عمله وقّاد في القطار. كان السفر من الحجاز إلى درعا ومن درعا إلى سمخ( ) التي تبعد 20 كم عن الحمة السورية.( ) كان أجره حوالي سبعة عشرة مجيدي أو ثلاث ليرات ذهب شهريا، وكانت سفرات القطار مركزة على حمولة القمح والدواب والأسلحة. وفي تلك الفترة أصيب والد المتحدث، الذي أصبح مسؤولاً عن القطار، بحادث أدى إلى كسر ظهره، وأصبح عاجزاً عن العمل ضمن سكة الحديد. وكان هناك مشفى أجنبي يدعى الطلياني، فأخذوه إلى الطلياني لتلقي العلاج، وعالجه طبيب أجنبي إلى ان اصبح يستطيع أن يسير على قدميه، وأعطوه مبلغاً من المال القليل لقاء خدماته. وبهذا المبلغ قام العامل بفتح دكان صغير للبيع (بقالية). عمل فيها إلى آخر حياته.
كان عمر المتحدث أنطون عند وفاة والده تسع سنوات، وهو يتعلم في مدرسة اسمها المعارف
{كانت المدارس الابتدائية التي تشرف عليها الدولة تُسمى مدارس المعارف. ووزارة التربية حالياً كان يُطلق عليها: وزارة المعارف. وتغيّر الاسم في خمسينيات القرن العشرين}
وبسبب قلة المال اضطر لترك المدرسة والنزول على العمل.
كان أنطون وحيداً وله أربعة خوات وهو أصغرهم. وقد نال البنات قسطا من التعليم قبل وفاة والدهم وتزوّجن بعد وفاته. أما والدته فلا عمل لها سوى رعاية البيت.
عمل المتحدث أنطون في دمشق مقابل أجر يومي قدره ربع ليرة، كانت تكفي العائلة بأكملها. كان يعمل عند صاحب كراج سيارات للتصليح، اسمه عبد الرحمن الريحاني. كان سعر أوقية اللحمة العربي تعادل حالياً بسعر ثلاث قروش سورية. والليرة السورية مائة قرش وكان رطل الخبز( ) بسبع قروش سورية. وكان عمله فك وتركيب الدواليب وتنظيف القطع. كان يقوم بجلب الأغراض من السوق وتأمينها لمنزل المعلم. وكان معه هناك العديدين غيره، وكان أكبرهم مغربياً يدعى "معلاش". كان إذا أخطأ أي صانع يضربه على وجهه، والعمل من الصباح وحتى المساء.
الأحزاب الموجودة: حزب الكتلة الوطنية، يعيه وهو عمره تسع سنوات. ورئيس الجمهورية الشيخ تاج موضوع من قبل فرنسا.( )
كانت الكتلة الوطنية تعمل ضد الاستعمار الفرنسي، ولها جيش يسمى القمصان الحديدية. الجريدة الموجودة كانت "الألف باء"، جاءت بعدها جريدة القبس، كانت تُغلَق وتُفتح لأنها كانت تكتب ضد الاستعمار.
عمل حوالي 6 سنوات في الكراج، وكانت علاقته مع معلاش مباشرة، وكان المعلم يقوم بعمله بيده عندما يتطلب ذلك منه. أما معلاش فبقي صانعاً طيلة خدمة أنطون. وكان شيخ الكار أكبر تاجر في السوق، وكان يملك أكبر رأس مال.
عندما أصبح عمر المتحدث انطون 16 عاماً، ذهب برفقة والدته إلى الخط الحديدي، ودخلا إلى المدير الإداري جميل بيك قدورة، وشرحت والدة انطون وضع والده وأنه كان يعمل في الخط الحديدي، فوافق على أن يعمل ولكن بعد أن يتم تكبيره سنتين.) (تمّ تكبيره عامين كي يصبخ ابن 18 سنة ويحق له العمل).
ودخل انطون سكة الحديد "الحجاز" وعمل بلقب مساعد براد – تسوية. عمله كان مع محمود العنبري الذي أخذ الصنعة من الأتراك والألمان، عمل مساعدا له في الصالة التي تقسم إلى عدة أقسام لصيانة القطار، والأقسام هي:
قسم الشوديير: عبارة عن مواسير حلزونية حول القسم الحديدي وبداخله بيت النار عند اشتعال الفحم تسخن المياه ويتشكل البخار ويدور المحرك. الفحم الحجري من بلجيكا "كوك"
قسم البيبلات: هو مجموعة الحركة في القطار
قسم المكانيزم: كان العامل أنطون يعمل به. تدخل المكنة، فيفك كل حسب اختصاصه ويقوم بالتنظيف، ثم المباشرة بالصيانة، ثم التركيب. عمل أربعة أعوام فيها.
قسم البنداج "الدواليب"، كانت تستورد القطع الحديدية من ألمانيا، لأن هذه الآلات ألمانية المنشأ. استوردت فرنسا آلات من نفس النوع صنع فرنسا وسويسرا، وتعمل هذه القطارات على خط دمشق- رياق، رياق – بيروت، رياق – حلب.
كانت علاقته المباشرة مع رئيس القسم محمود العنبري إداريا وفنيا.
كانت في ذلك الوقت بذور للنقابات وبدايات لها تابعة لفرنسا، وكان النقابي شفيق النحاس؟ وشخص آخر من أسرة الأرنؤوطي يعملون باسم النقابة. كان هدفهم المصلحة الشخصية، يجمعون بعض المال من أجل مساعدة بعض الأشخاص.
كان الراتب الشهري حوالي 25 ل.س في بداية الأمر، كان مصروفه حوالي 13 ل.س على أسرته، والباقي يدّخره. عمل مدة أربع سنوات، وصل راتبه إلى 90 ل.س، ولكن اختلقوا سببا لكي يترك عمله وترك العمل.
أما الحرف الموجودة فكانت: نجارة – ميكانيسيان – مخارط – بايدي الشعب، وكان الحرفي يعمل بشكل بسيط بسبب قلة المال. أما بالنسبة للخبرات، فقد أخذت من فرنسا، فكانت تعلّم كل إنسان نشيط يمكن أن تستفيد منه. وكانت ترسلهم إلى فرنسا، وكانت الحرف في المدن مثل دمشق وحلب بمواد من فرنسا، أما من سبقهم كانت المواد من الألمان والأتراك والمجر.) (
في عام 1944 تمّ الاستقلال بشكل جزئي، بعد الحرب العالمية الثانية واحتلال ألمانيا لفرنسا، وقسمت فرنسا إلى حزبين، حزب ديغول وحزب فيشي. وحل مكان الفرنسيين العرب السوريين. وفي المستعمرات نشأ حزبان كما في فرنسا، حزب ديغول موالي للحلف الغربي، شكل فرقة وذهب إلى فلسطين ودخل ضد الحزب الفاشي إلى سوريا من درعا وانتصر عليهم ودخل إلى دمشق وبقي مع جيشه، إلى أن قامت حركة في فرنسا وهزم الفاشيون هناك، وقام الحزب الديغولي في فرنسا ضد الألمان وهزمت ألمانيا. وفي هذه الفترة بين 1944-1946 بدأ الانسحاب الفرنسي، وكان رئيس الوزراء جميل مردم بيك، وكان فارس الخوري مندوب في هيئة الأمم. ساعد الانكليز الحزب الديغولي، وتم الاتفاق، على إخراج فرنسا وإحلال الانكليز مكانهم، بين انكلترا وجميل بيك، وخرجت فرنسا مساعدة الانكليز وتم احتلال الثكنات الفرنسية في دمشق لتنفيذ الاتفاق مع بين انكلترة وجميل بيك.) 
وخلال هذه الفترة كان الأطفال يجمعون الأحجار ويقذفونها على السيارات الفرنسية. وكان لفارس الخوري موقفا آخرا في هيئة الأمم المتحدة، حيث جلس مكان المبعوث الفرنسي على الكرسي، فهجم عليه المبعوث الفرنسي، وعندما قال فارس: أنا جلست نصف دقيقة على كرسي فرنسا فلم تتحملني، أما فرنسا استعمرتنا 25 عاما وأخذت خيراتنا، فكيف نتحملها؟ عندها الجميع أيد موقف فارس وتم التصويت على الانسحاب. وكان احتفالا رائعا في دمشق يوم الجلاء، فقد كان يوما رائعا جدا، بقي الجميع ساهرا يغني ويرقص حتى الصباح. وعندها بدأ العمل والإنتاج بكل حرية.
ترك انطون العمل في الخط الحديدي عام 1946 عندما استلم إدارة الخط فؤاد بيك قاسم، الذي طلب من انطون الاستقالة وهدده بالقتل إذا لم يترك العامل أنطون عمله، مما اضطره لترك العمل وتقديم استقالته، ونال نصف استحقاقاته لأنه هو الذي قدم الاستقالة. بعدها حاول العمل بشكل حر، إلا أنه لم يفلح بذلك.
كان لفرنسا بعض المصالح (استثمارات) فعمل لدى الشركة الفرنسية في المطار لمدة عام كعامل خراطة وتسوية. وبعد تركه شركة المطار عمل في شركة " الجر والتنوير" عام 1946 حيث عمل في معمل لتوليد الديزل في دمشق لمدة ثمانية أعوام. كان المسؤول بلجيكيا تحت سيطرة فرنسية. في هذه الفترة بدأ تشكيل النقابات، وأول رئيس نقابي كان اسمه أبو صياح المهايني – بعد سنة استلم زكي الصواف. كان عمل النقابة هو حل مشاكل العمال بالترجي والمراضاة لأصحاب المراكز، وكانت الآلات فرنسية بلجيكية. كانت تشكل لجنة من قبل فرنسا لانتقاء العمال حسب خبرتهم، وتحديد أجر كل منهم حسب كفاءته. كانت أجرة العامل العادي 38 ق.س في الساعة الواحدة، الأنشط 42 ق.س في الساعة، العامل المهني يتراوح بين 55- 65 ق.س في الساعة حسب نشاطه. كان أجر العامل أنطون 65 ق.س بعد إجراء الفحص له.
ساعات العمل 9 ساعات إلا ربع، يتقاضى أجر تسع ساعات كاملة وتحسب ساعة الإضافي بساعة وربع حتى الساعة السابعة، ومن الساعة السابعة حتى الثانية عشرة الساعة بساعة ونصف، ومن الثانية عشرة حتى الرابعة، الساعة بساعتين، وكانت وجبة عشاء بعد الساعة الثامنة على حساب الشركة، وإذا استمر العمل حتى الصباح ينتهي العمل الساعة الثامنة. المهندسون العرب كانوا قلائل، كان مهندس أرمني سركيس مردروسيان، من أسرة غنية.
والأموال والأرباح من شركة الجر والتنوير تعود إلى فرنسا.
في حال حصول خلاف بين الرئيس والمرؤوس يتم حسم أيام عمل، ويؤخذ هذا الحسم لصندوق المساعدة الاجتماعية، بعد أن يتم التحقيق بشكل جدي. كانت الزيادة من الرئيس المباشر، حيث كانت إضبارة العامل، وما قام به كل يوم في هذه الإضبارة. كانت الزيادة حسب عمله ونشاطه، تقدر كل ثلاث أشهر مرة ومقدارها من 2- 5 قروش. وهناك زيادة دورية كل عام من قرشين وحتى سبعة قروش. وفي حال حصل خلاف في الزيادات، يشتكي العامل إلى النقابة وتقوم بترجي صاحب المسؤولية، فإما يتم الحصول على شئ أو لا.
كان العامل أنطون كلما قام بعمل جيد، يقبض مكافأة مباشرة، مما يدفعه للعمل بشكل أفضل وأسرع. فعلى سبيل المثال، مكنة توليد قام بإصلاحها، واستطاعتها 200 كيلوواط، طلب منه إنجازها بأسرع وقت. كان يتطلب إصلاحها ثمانية ساعات عمل، وتم إصلاحها خلال ثلاث ساعات فقط، حيث تقاضى مكافأة قدرها 130 ل.س وهي تعادل راتبه لمدة شهر كامل.
***
وكانت في هذه المرحلة العادات والتقاليد واحدة، لم تتغير في ذلك الحي الشعبي القديم، فكان الفرح والحزن واحد. وكانوا يسمعون عن الأرياف بأن الريف يعتمد على الزراعة، وكانوا ينزلون محاصيلهم إلى المدينة، وكانت المعاملة جيدة بين المزارعين والمدنيين وكانت الثقة كبيرة بينهم.
كان بعض الناس الميسورين في ذلك الحي القديم يقومون بطبخ المأكولات ويوزعونها على المساكين والفقراء، وكان بعضهم يساعد العائلات المستورة دون أن يعرف الآخرون عن هذه المساعدات. وكان هناك بعض الجمعيات الخيرية تساعد العائلات الفقيرة بالمال واللباس والطعام، وكل إنسان حسب عدد أفراد الأسرة الفقيرة.
ظل الفرنسيون مستلمين مؤسسة الكهرباء حتى عام 1951، واستلم بعد الفرنسيين هذه المؤسسة السوريون، واستلم إدارتها "وجيه السمان" وبعده استلم عبد الرحمن الحموي، وأقيم فيها صناديق تعاون ونقابة، وبقي النظام الفرنسي قائما حتى فترة ما بعد هذا الوضع، ولكن جرت بعض التعديلات على هذا النظام.
كان النقابيون في هذه الفترة يجتهدون أكثر، وكان هدفهم تحصيل حقوق العامل، وأصبحت حرية عامة للعمال في الحديث والقول وشرح أوضاعهم، وأصبح يستطيع العامل أن يدخل إلى مكتب المدير إذا تعرض لأي مضايقة، دون خوف أو إحراج، وكانت النقابة تساعد الكثير من العمال على جميع الأصعدة، وإنما كانت المحسوبيات لها وضع معين في هذه المرحلة.
وكانت الانتخابات النقابية يلعب فيها دورا كبيرا بعض الأشخاص عن طريق أهل منطقتهم وأصدقائهم وزملائهم، في أنه إذا صرت نقابي بدي أعمل كذا وكذا. كانوا يقطعون من راتب العمال مبلغ ليرة سورية واحدة فقط لصالح النقابة وكانت بشكل حر.
في مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر، فرحت الناس واستبشرت بالخير، وأتت بعض الزيادات للعمال في هذه المرحلة، وبقي الوضع النقابي على حاله، وكان لكل نقابي مجموعة خاصة به من الرجال "زلمه"، وكانت هناك مصالح شخصية. وعند الانفصال كَثُرَتْ المحسوبيات كثيرا بين العمال، وأصبحت المشاكل كبيرة، إلى أن صار انقلاب واستلم نظام جديد يؤيد الاشتراكية، مع العلم أنه في المراحل الماضية كان هناك وعي بين العمال، وكانوا يتناقشون فيما بينهم ضد الإقطاع والرأسمالية وكانوا يتمنون تغيير الوضع السيء.
***
استطاع العامل أنطون أن يربي أطفاله وعددهم خمسة، وكانت شهاداتهم على الشكل التالي:
البنت الآولى ليسانس أدب عربي – البنت الثانية محاسبة جامعة – الثالثة مهندسة إلكترون- الولد الرابع علوم حيوية – والولد الخامس بكالوريا.
(والعامل أنطون ما زال على رأس عمله وبصحة جيدة، في المخبر المركزي بعدرا.) 
{وذلك بتاريخ لقاء الدارس به بين عامي 1987 و 1988}