حياة حدّاد على الكير مع مهن أخرى في عهد الإقطاع بإدلب
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا- فينكس:
مُجري اللقاء الدارس في المعهد النقابي بدمشق عبد الحليم خطيب، معمل اسمنت المسلمية.
المتحدث: صبحي محمد محمود الخطيب المولود 1905 في كفر نبّل ومقيم فيها، مهنته حداد على الكير. وجرى اللقاء بتاريخ 26/1/1988 في كفر نبّل.
قال المتحدث:
"عمل جدي في الحياكة والصوف لصنع البسط، أي الحُصر الصوفية التي تُمَدُّ في البيت. ولم أسمع من أبي عن جدي إلا أنهم كانوا فقراء لا يملكون إلا الجراول التي ينامون فيها بدل الفرش حالياً وأواني المطبخ الفخارية. كانوا يأكلون خبز الشعير والدرة البيضاء، وأحياناً لا توجد عندهم هذه الحبوب فيأكلون البيرين (فضلات الزيتون بعد العصر) والسمك الذي يأتون به من مستنقع الغاب في الشوالات على البغال.
أما من ناحية الثقافة فلا يوجد عند أحد كُتُبْ إلا القرآن. وكانت أجرة من يدرّس القرآن، حتى عهد أبي رطل من الشعير (الرطل ثلاث كيلوغرامات وربع). وفي ذلك الحين تزوّج جدي من جدتي بمهر قدره ربعية من الذرة البيضاء (أي مقدار تنكة). ومن كان يملك بقرة أو عدة عنزات كان سلطان زمانه في ذلك الحين.
أما أبي لم يأخذ مهنة جدي في الحياكة، إنما أنشأ طاحونة للحبوب، وهي عبارة عن حجرتين مستديرتين فوق بعضهما، السفلية مثبتة والعلوية متحركة، في وسطها قضيب حديدي قوي يدخل في وسط العلوية التي كانت موصولة بعصا طويلة توضع على رقبة الحمار ليجرها ويدور بها لطحن الحبوب للناس الذين كانوا يطحنون الشعير والذرة البيضاء لصنع الخبز بها. أما القمح فكانت نسبته قليلة لا يملكه إلا إللي حالته كويسة (الميسور). وكنّا ناخذ أجرة إما حب أو مصاري (نقود)، أما الحب فكنّا ناخذ من العشرين كيل، كيل واحد، أي رطل، ومن لم يدفع حبوب كان يدفع نصف مجيدية.
أما تربية أبي فكانت تربية حسنة، كان يقرأ القرآن، فعلّمنا إياه. ودرسنا حتى الصف الثاني في معرة النعمان، لأنه لم يكن يوجد عندنا مدرسة. أما حالتنا فكانت ميسورة بالنسبة لباقي الناس. كنا نلبس القنباز المفتوح من الأمام، من الأعلى إلى الأسفل، والذي يلف على الجسم ويربط بالشال، ونلبس في رجلنا المداس أي (الخف) المصنوع من الجلد. كنا نعمل أنا وأخوتي مع أبي من الصباح حتى فترة الظهر ومن العصر حتى المغرب. وفي كثير من السنين لا نعمل سوى في فترة الصباح لقلة الحبوب في سنين المِحِلْ (الجفاف بسبب قلة الأمطار).
أما أنا، كما قلت لك، تعلمت القراءة والكتابة من على زمن أبي قبل وفاته بقليل، وختمت القرآن. وفي حدود الأربعينات بدأت تصل بعض الكتب عن طريق الاقطاعيين (البيكوات من المعرة) لكن لم نكن نستطيع الحصول عليها أو لا يعطونا إياها أو يسمحون لنا بالاطلاع عليها. ولكن بعد الخمسينات حصلت على بعض الكتب من المعرة أثناء ذهابي لبيع وشراء الغنم مشياً على الأقدام (وتبعد 11 كم عن الضيعة). قرأت كتاب أحمد بن تيمية ويحكي عن الوهابية في السعودية، وبعض القصص منها عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن. أما الجرائد فكانت جريدة الأهالي ولا أعرف من أين تصدر وكنت مشتركاً فيها.
أما الأحزاب فلم أنتسب إلا لحزب أكرم حوراني (الحزب العربي الاشتراكي)، وبعد فترة تركت. إننا لا نعرف شيئاً عن الأحزاب، و ما لي رأي فيها لأنها راحت وانتهت.
أما المهن التي تعلمتها فهي مهنة الحدادة والعمل في الطاحونة، كما عملت في عصر الزيتون، وأطول فترة عملت في الحدادة على الكير، كما عملت في مهنة الزراعة، وهذا في البداية عندما كان الإقطاع في منطقتنا (حكمت الحراكي وأخوته). كنا نعمل بالأرض التابعة للإقطاعي في الزراعة مقابل أجرة دون أن نملك الأرض. وكنا نتقاضى ثلاث أرباع المحصول والبيك يأخذ الربع مقابل امتلاك الأرض، وكان علينا البذار والعمل في الأرض وله الأرض.
بعد فترة من العمل في الأرض لم تكن تكفي المعيشة، فجمعت مع عمل الأرض مهنة الحدادة. أما الأدوات فكانت الكير لنفخ الهواء على جرن أي حوض فوقه مدخنة، يوضع فيه الفحم المشتعل ويزيد هواء الكير من اشتعال نار الفحم واستمرار حرارتها المرتفعة حيث يتحول الحديد الموضوع فوق النار إلى مادة حمراء ليّنة تُنقل بملقط طويل وتوضع على السندان لطرقها حسب الشكل أو الغرض المطلوب، وأهمها سكة الفلاحة والفؤوس. فالمواد الأولية كانت الحديد فقط بالإضافة للفحم للحرق. وكنْتُ أحصل على الحديد من المعرة بكميات قليلة سنوياً (في كل سنة عشرين رطلا أي بمعدل 15 كغ). وكنت أجلبها على دفعتين على البغل وذلك من التاجر (الأفندي). أحياناً كنا نبادل الحديد بالقمح أو التين أو الزيتون بمقدار خمسة أرطال مقابل رطل واحد من الحديد، وأحيانا ندفع مجيديات. ثمن رطل حديد واحد: مجيدية.
أما معالجة الحديد فكانت بطريقة الإحماء بالنار حتى تصبح قطعة الحديد ليّنة، ثم نخرجها من بين نار الفحم أنا وشريكي، ونضعها على السندان وأحدنا يطرقها بضربات قوية حتى تصبح رقيقة من طرف أكثر من الطرف الآخر، ونعيدها إلى النار عدة مرات حتى يصبح طرفها الرقيق حاداً. ولكن كنّا نتعذب في ثقبها لتصبح فأسا توضع في ثقبه عصاة. لكن الأصعب كان عمل السكك للصمد (صمد الفلاحة الذي يجره بغل لحراثة الأرض).
أما دور العنصر البشري فكان الكل في الكل، ما عدا الإحماء على النار. ولم يكن عندنا منتجين سوى أنا وشريكي، ولم يكن هناك أجور. كنا نبيع إنتاجنا ونقبض ثمنه نقداً لشراء المونة كالحبوب واللباس، وكذلك لشراء الحديد. أما ثمن السكة فكان خمس مجيديات. كنُّا نطرق السكك والفؤوس للفلاحين بالأجرة، السكة أجرتها نصف مجيدية، والفأس بـربع مجيدية.
بالنسبة للعُطل لم يكن عندنا عطلة رسمية سوى يوم الجمعة، وأحياناً نعمل يوم الجمعة. أما وقت العمل من الصباح حتى الظهر، ومن العصر حتى العشاء.
الأرباح كنا نشتري بها الحديد، والباقي خرجية للعيلة. أما أرباح التاجر فلا أعرف عنها شيئاً. أما وضع الحي والقرية فكنا دراويش ما في عندنا مجال للترفيه مثل هالوقت. وكانت تحدث بعض الخلافات بين الناس وكانت تُحل عن طريق المختار ووجوه الحارة.
أما العلاقات في الريف فكانت تسلّط الاقطاع على الناس. ففي عام 1938 تقريباً كان بيت الحراكي بالتعاون مع الدرك يجمعون الإعاشة للإنكليز من الأهالي، وفي أحدى المرات دخلوا بيتنا وكان عندنا عنزتين وخروف. أخذ الدرك الخروف بالقوة بحجة أنهم مأمورون من قبل البيك وهو بحاجة له لإطعام البكوات. كما أخذوا قطعة أرض لي وأعطوها لجاري في الأرض لأنه كان تابعاً لهم ويخبرهم عن كل شيء يحصل في الضيعة. وهذه القطعة كانت ثمن إخبارية عني لأني خبيت الشعير ولم أخبر به حكمت الحراكي.
الإعاشة كانت بيد البيك ورجاله والدرك. كان البيك يبيعنا القمح بـ 187 ق أيام الزرع ويشتري القمح أيام الموسم بالسعر الذي يريده. وإذا أردنا أن نبيع القمح لغيره لا أحد يتجاسر على الشراء لأن الدرك والمخفر مع البيك.
لم يكن عندنا تنظيمات ولا سمعت بهذه التنظيمات ولا انضممت إلى نقابة أو جمعية.
عملت في معصرة الزيتون أيضاً. فكنّا نعمل من الصباح الباكر حتى بعد العشاء أي بمعدل شَدّة (عَصْرَة)، وإذا كثُرَ الزيتون كنا نعمل عصرتين وننام في المعصرة. وكانت أجرة العصرة الواحدة ربع مجيدي أي بمعدل ستة وربع قروش للعامل الواحد. أما صاحب المعصرة فكانت أجرته زيت عن كل 10 أكيال كيل واحد، أي العشرة للفلاح والحادي عشر له. وكان الزيتون يأتي إلى المعصرة من الضيع المجاورة لنا، ومن عندنا، ومن عند الفلاحين العاملين عند الاقطاعيين.