لأسباب اقتصادية.. مهاجر من الريف إلى حلب 1942

المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا:

صانع على النول، سائق عربة، عتّال، عامل في مطحنة
مُجري اللقاء الدارس: أحمد العلي بن جمعة، اتحاد محافظة حلب/ نقابة المواد الغذائية.
المتحدث: عبد الوهاب هندي من مواليد 1926 في قرية كفرنايا التابعة لحلب. تاريخ اللقاء في 8/2/1988.
كتب الدارس:
عمل الجد: الفلاحة. وكانوا يعملون على الثيران والدواب الأخرى من بغال وغيرها، وكانت الثيران أهدأ في عملها من باقي الحيوانات.
كان الفلاح يوجد لديه قطعة أرض ويقسمها إلى ثلاثة أقسام (بور، محصول صيفي، محصول شتوي). وكانت الأراضي ملك الفلاحين وموروثة عن أجدادهم القدامى.
كان والد المتحدث يستخدم بعض العمال في خدمة الأرض، وكان يعطيهم خلال العام الكامل 35 ليرة سورية (في الثلاثينات).
كان كيس الحنطة أو القمح بسعر الثيران، يبيعونهم فيشترون عوضاً عنهم كيسان، واحد من الذرة والآخر من الشعير، وكانوا يخلطونها مع بعضهما في عمل مادة الطحين.
كان الفلاح يقوم بأخذ كمية من المصاري لكي يشتري بها بذارا لأرضه، وتكون هذه سلف على المحصول، فكان الاعتماد كلياً على الأرض.
والقرية كان يملكها إقطاعي يسمى جودت بيك بن حميد بيك من أهل حلب من المدينة. كان البيك في بداية الأمر يأتي إلى القرية ويتعاطف معها، فيشتري بعض الدونمات من الأرض ويبدأ بتوسيعها شيئاً فشيئاً، وعندما يشتد ساعده يبدأ بشراء أكثر وأكثر من الأرض، وبعض الأراضي يستولي عليها بشكل كامل. كان يعين العمال في الأراضي لكي يقومون على خدمتها، وكان لهم الأكل والشراب البسيط مقابل خدمتهم لأرضه، ولا يعطيهم أجراً سوى تقديم الغذاء والشراب. وكان الإقطاعي يستبدل الفلاحين كل عام، هذه أيضاً في الثلاثينات وفي عهد الفرنسيين، وفي سنة 1938 كان يعطيهم كل ثلاثة أشهر 5 أي خمسة ليرة سورية.
كان لجده ثلاثة أولاد: محمد خير، أحمد و محمود، والمتحدث عبد الوهاب وهو ابن محمود هندي. وكان لوالده زوجتان وكان له من كل زوجة ولدان. وكان أبوه (أي والد المتحدث) يحبهم أكثر من أخوتهم الذين من خالتهم، أي الزوجة الأولى، لأنهم كانوا أكثر تجاوباً من أخوتهم الآخرين، وكانوا لَيِّنين، وكانت نسبة الذكاء في ذلك الوقت عام 1926 أكثر مما هي عليه في الوقت الحاضر، وكان الوالد يحب أولاده بقدر ما يكونون متجاوبين معه.
وفي ذلك الوقت لا توجد مادة المازوت، وإنما توجد مادة الكاز معروفة لدى القرية، وكانت نسبتها قليلة جداً والذي يحصل على تنكة كاز فكأنه حاصل على أثمن الأشياء. كانوا في ذلك الوقت يستعملون السراج وهو عبارة عن تنكة وفتيلة وقليلاً من الزيت.
نزل (المتحدث) عبد الوهاب هندي إلى حلب سنة 1942 ليعمل كصانع نول، والنول كان ملكه. أما المادة الأولية، أي القماش، فيأخذه من تجار المدينة. كان يعمل من بزوغ الشمس إلى ما بعد العشاء بخمس ليرات سورية، وكان سعر كيلو الطحين بالنسبة للعمال للفقراء بـ 25 قرش سوري، أما طحين الأغنياء كان بـ 55 ق.س.
في بداية عمره، كان عبد الوهاب يعمل بالفلاحة، وبعد انتقاله إلى المدينة بدأ يعمل على النول، وبعد ذلك عمل على العربة تجرها الدواب وكانت أجرته 7 ليرات هو وعربته ودابته. وكانت العربة لها نمرة [رقم تسجيل] ثمنها 25 ل.س.
وبعد ذلك انتقل إلى العمل في العتالة بـ"المطحنة الططرية". وكان مالكها محمد خير الططري وأولاده بديع، وزكريا، ويحيى. بلغ عدد العتالين في المطحنة أربعة عتّالة يحبون بعضهم البعض. كانت العلاقة بين رب العمل والعمال علاقة عمل لا يوجد أي تحابب بينهم.
كان يوجد مطحنة أخرى صاحبها زكي حزيد، كان قاسياً يمسك العمال من آذانهم من آخر المطحنة إلى أولها، وعندما يصل العامل إلى باب المطحنة يعطيه رفسة في ظهره برجله ويقول له "انقلع لا ردك الله".
العامل كان متجاوباً مع صاحب المطحنة خوفاً من حرمانه من لقمة العيش وطرده خارج مكان العمل. وكان زكي عندما يرى حبة قمح على أرض المطحنة يبدأ بشتم العمال ويوبخهم ويأمرهم بجمعها ووضعها مكانها.
من عام 1955-1958 مارس عبد الوهاب مهنة الحراسة بعد وفاة الحارس المخصص في تلك المطحنة. كان يأخذ خمس ليرات سورية أجرة الحراسة، وبالإضافة كان يدير محرك المطحنة فيعطيه صاحبها أجرة على إدارة محرك الطحن، وكان راتبه يبلغ من الحراسة وإدارة محرك الطحن ما يقارب المئتان ل.س.
كان عبد الوهاب صاحب النول، كما ذكرنا، يحصل على المواد الأولية من السوق أو من التجار بأسعار باهظة وبعد أن يصنعها يعيدها للتاجر. وكان يصنع من الحطايط حوالي خمس حطات باليوم الواحد بسعر ليرة وربع للواحدة، يقوم التاجر بتصريف الإنتاج حسب النوعية. وكان عبد الوهاب يعمل بين 10-14 ساعة عمل يومياً. كان لا يوجد عُطل خلال الأسبوع.
كانت تنشأ بعض الخلافات بين العمال والصناع وأرباب العمل لأنه لا يوجد محبة ومودة بينهم. وفي الحارة والحي والقرية كانوا متنافرين فيما بينهم لا يحب أحدهم الآخر، كل شخص يعمل يحب الأشخاص الآخرين بأن لا يعملوا وإذا عملوا أخرجوهم من العمل.
وكان العمال والفلاحون يعيشون حياة بسيطة وضنكة. كانت توجد مشاكل في الريف بين العائلات والعشائر نتيجة لقلة العمل في ذلك الوقت. والعلاقة بين الريف والمدينة علاقة غير جيدة، فكان ابناء المدينة يشلّحون [يسرقون] أبناء القرية، فإذا أتى ابن القرية ببعض المواد الأولية من القرية إلى المدينة يريد بيعها، فابن المدينة نجده بأسرع ما يمكن يأتي إليه ويبازره [يساومه السعر] في بيع هذه المواد، فيأكل ابن المدينة نصف ثمن هذه المواد ويعطي لابن القرية النصف الباقي. وكانوا يسمون أبناء المدينة في ذلك الوقت بـ"الجنابزة".
يعيش عبد الوهاب حالياً في كنف أولاده، حيث له من الأولاد سبعة، خمسة متزوجين، والسادس يسكن معه، أما السابع فهو في خدمة العلم. وهو مرتاح معهم.