صانع مدافئ من دمشق
المشرف على الدراسة د. عبد الله حنا.
مُجري اللقاء الدارس في المعهد النقابي بدمشق عبد الواحد رنكو.
المتحدث: سعيد الجوهري مواليد دمشق 1924. مكان الإقامة: دمشق، مجتهد، سوق النحاسين. تاريخ المقابلة: آذار 1989. المهنة: صناعة حمامات مدافئ الجوهري.
عمل الجد: صناعة الأحذية. ما سمعه عن جده وعن العصر الذي كان جده يمارس فيه صناعة الأحذية، كانت هي الصنعة الوحيدة في ذلك العصر، وكان جده في بداية حياته يعمل أجيراً إلى مرحلة صانع، ثم إلى معلم وبعد ذلك أصبح عنده غرفة في المنزل، ثم يبيع إلى تجار السوق، حيث كانت الحياة في القرن التاسع عشر، أي الحياة الاقتصادية صعبة جداً بسبب الاحتلال، وضعف اليد الشرائية بسبب الفقر. والحياة الاجتماعية كانت مترابطة نوعاً ما بين أفراد العائلة والحارة.
ومن الناحية الثقافية كانت غير جيدة في القرن التاسع عشر.
وكان والدي يعمل مع أبيه في صناعة الأحذية، وكانت هذه المهنة هي المهنة الوحيدة التي كان يمارسها الكثيرون من الشباب، وكان وضعه الاقتصادي والاجتماعي أحسن من أيام جدي قليلاً، لأن لكل عصر تطوره وابتكاره الخاص بالمهنة. كانت تربيته لنا جيدة.
المهنة التي كنت أمارسها في مطلع حياتي مع والدي صناعة الأحذية، وعندما وصلت إلى الصف السادس بطّلت من المدرسة ودخلت صناعة الحمامات والمدافئ، وكانت هذه المهنة حديثة نوعاً ما، لأن الحمامات أصبحت في كل بيت، لأنه كما قلت لك لكل عصر تطوره. فتطورت صناعة المدافئ شيئاً فشيئاً، فأصبحت مدافئ المازوت، وأصبحت على الضغط.
المواد الأولية كانت مادة الحديد، أو بالأحرى الصفائح الحديدية، وكنا نحصل عليها عن طريق تجار الحديد، ولا أعرف كيف كانوا يحصلون عليه، يمكن عن طريق الاستيراد. كنا نعالج هذه المواد عن طريق الفحم الحجري الذي نحمي به الحديد على السندان، وبطرقه نحوّل صفائح الحديد إلى المواد التي نرغب في تصنيعها. كانت الصنعة متعبة لي، كنت في البداية أجير، والأجير لا يعمل بل يخدم المعلم والصانع، وبعدها أصبحت صانعاً. وعندما دخلت ميدان العمل وكان الأجر قليلاً جداً عندما كنت أجير، تحسن نوعاً ما عندما أصبحت صانعاً، وبعدها تحسن أجر عملي. كان الدوام من الساعة السابعة حتى الساعة "لا على التعيين"، والعطلة يوم الجمعة، وأحياناً لا نعطل على كيف رب العمل. كنا نصرف الإنتاج إما عن طريق تواصي أو إلى تجار المفرق في شارع فيصل، قرب سوق الهال القديم وهم بدورهم يبيعون إلى المستهلك. كانت الأرباح تذهب إلى التجار أكثر منا. لا أذكر بالضبط الأسعار عندما كنت. ولكن أذكر سعر المدفأة أو الحمامات 8 ليرات سورية، ومع مرور الزمن تحسنت الأسعار، مثلا نحن نربح 5%، فالتاجر مربحه حوالي 95 % تقريبا حسب السوق، أي العرض والطلب. وكان رب العمل يعطي المعلم حرية التصرف في العمل.
وكان يوجد خلاف بين المعلمين فقط من ناحية إتقان الصنعة. وكان الذي يتقن الصنعة هو الذي "ينفش ريشه مثل الطاووس". وبين العامل ورب العمل كان الخلاف قليلاً، لأن العامل يخاف على لقمة عيشه، وأرباب العمل في مهنتي كانوا قليلين نوعاً ما. ولا أسمع خلافاً حصل عندما كنت عند معلمي.
أنا لا أعرف عن التنظيمات الحرفية كثيراً. أعرف بأن هناك تنظيمات حرفية. انضممت إلى الجمعية الحرفية عندما أصبح عندي محل تقريباً عام 1970. كنت أسمع عن وضع النقابات ودورها، خاصة في الشركة الخماسية، أسمع عن الإضراب عن العمل، ومطالبة العمال لحقوقهم من أصحاب العمل. وكان صاحب العمل يقدم إلى العامل في كل عيد فطر وعيد الأضحى عبارة عن زيادة في الراتب تعادل حوالي نصف الأجر الذي كان يأخذه العامل في الأسبوع، ولكل صاحب عمل رأيه الخاص حسب بخله وكرمه. والآن نعيش كما ترى في محلي، أعمل به أنا وأولادي، ونسعى دوماً إلى تطوير هذه المهنة نحو الأفضل.
وكان الوضع في الحي شبيه بأسرة واحدة، حيث كان يوجد محبة بين الجيران وأهل الحي، وكان مثلاً يقال ابن حارتي، وحتى الآن يقال ذلك.
الكتب التي قرأتها عن عنترة بن شداد، وكانت هذه الرواية تُقرأ في مقهى النوفرة في القيمرية، وكنت أذهب خصيصا لكي أستمع لهذه الرواية. كنت لا أهتم كثيرا بالقراءة، ولم أتابع قراءة الجرائد والمجلات.