الواقع المعاشي لأهالي دير بعلبة/شرقي حمص

المشرف على اللقاءات د. عبد الله حنا مدرس مادة الحركة العمالية في المعهد النقابي في ذلك الحين.
مُجري اللقاء الدارس في المعهد النقابي بدمشق: مرشد كنعان. كتبها بتاريخ 1/5/1985.
المتحدث: دياب كنعان. العمر67 سنة. مكان الولادة دير بعلبة. الإقامة الحالية دير بعلبة.
تاريخ اللقاء في 1/5/1985.
عَمِلَ جد المتحدث مزارعاً،( ) وتوفي تقريباً عام 1938. خلّف ثمانية ذكور وأربع بنات عملوا في الزراعة.
عَمِلَ والد المتحدث مزارعاً، وهو متوفي منذ عام 1956. عدد أولاده فقط أربعة، كلهم ذكور، وجميعاً يعملون بالزراعة.
قال المتحدث:
في أواخر الحكم العثماني (أيام التَجَمّع)، ( ) وأوائل الانتداب الفرنسي كانت الأراضي مشاعاً، أي ليست لأحد. كان أهل القرية جميعاً يقومون في أيام الزرع بزراعة الأرض كاملة محددين فيما بينهم نوعية المادة المزروعة في كل منطقة، فكانت أراضي دير بعلبة الشرقية تسمى "الرباع"، وإلى الشرق حوالي أربعة كيلومترات كانت تسمى "المتعارضات"، وفي الجهة الشمالية تسمى "الطايل". كان المزارعون يتفقون فيما بينهم بزراعة "الرباع" مثلاً بالشعير، و"الطايل" بالحنطة، وغيرها بالجلبان أو العدس، وهكذا.
كان المزارعون يقومون بحراثة تلك الأراضي بالمحراث اليدوي الذي تجره البغال أو الثيران، ومن ثمّ يقومون برش البذار باليد، بينما كان غيرهم يقوم بحراثة الأرض ثانية بعد نثر البذار بعد ذلك، أي بعد أن تستغرق مدة العملية ما يقارب الثلاثة أشهر من تشرين الأول ولغاية نهاية كانون الأول.
يعود الفلاحون بعدها لترميم بيوتهم استعداداً للشتاء، حيث يقومون بنثر الرمل على الأسطحة واستعمال مدحلة صغيرة لتُثْبِت الرمل بالطين على السطح. وعند قدوم الربيع يقومون بأخذ حيواناتهم إلى الأراضي غير مزروعة للرعي من الأعشاب التي تنبت في تلك الأراضي، وخاصة على ضفاف نهر العاصي في منطقة "السعن" شرقاً. وفي نهاية الربيع يقوم الفلاحون بتحضير البيادر ويهيّئون لها الأمكنة المستوية ويستعدّون للحصاد. وعند موسم الحصاد كان أهل القرية جميعاً يذهبون لحصاد كل منطقة حتى تنتهي، ويقوم المختار بتنظيم العمل ونقل المحاصيل على عربات من أربع عجلات إلى البيادر. كان كل منهم يأخذ شيئاً من المحصول فيقوم بدرسه وتذريته من الغبار والقش. وكان قسم من المحصول يُدفع كضريبة للدولة.( )
ولم يكن المحصول يغطي إلا جزءاً من النفقات والمصاريف، ولهذا كان الفلاح يستدين من التجار في المدينة حمص لشراء ثيابه وعدة الزراعة، بالإضافة إلى غذائه من تمر وزيت وغير ذلك.
وفي عام 1936 نشرت دولة الانتداب إعلاناً لتسجيل الأراضي بأسماء الفلاحين، فمنهم من أقدم على تسجيل الدونمات من الأراضي باسمه، ومنهم من تمنّع عن دفع الضرائب على الأراضي فدفع رشوة للمختار خشية تسجيل أرض على اسمه، ( ) وبذلك توزعت الأراضي بشكل غير عادل، فأصبح من يملك مئات الدونمات، وصار من لا يملك شيئاً. أصبح المالكون هم المتحكمون بالأراضي، وصار يقال فلان مزارع وفلان بطّال، وقام البطّالون بالعمل لدى المزارعين في مواسم الحصاد والزراعة فنشأت بذلك الأحقاد من غير المالكين على مالكي الأراضي، وحدثت عدة إشكالات وتعدّيات حيث قام بعضهم بحرق محصول بعض المزارعين.
أما عن ملكية المواشي فكانت على شكلين: الأول هو وجود من يمتلك عدداً لابأس به من المواشي حيث يقوم بتربيتها والإتجار بها، والشكل الثاني هو أن كلَّ مزارع ملك عددا محدودا من المواشي اختاروا لها راعٍ براتب سنوي، يجمع المواشي صباحاً ويعود بها مساءً إلى بيوت أصحابها. وكان الرعاة لا يملكون أرضاً، وهم من العاطلين عن العمل. هذا مع الإشارة إلى أنّ عدداً كبيراً من العاطلين عمل في المطاحن ومعمل السكر. ومع توسّع دوائر الدولة ومنشآتها عمل الكثيرون فيها.
أما مساحة ملكية الأرض فأقلها خمسين دونم، وأعلاها ألف دونم. ثمّ أخذت هذه المساحة بالتقلّص بسبب التوريث وكثرة الأولاد.
كانت البيوت في ذلك العصر تبنى من الطين وتسقف بالأخشاب، وهي ملك للفلاح، حيث كان الفلاح لا يملك سوى بيت واحد له ولمؤونته، وأحياناً له ولمؤونته وحيواناته.
جرت الهجرة في السابق إلى مدينة حمص حيث كانت الزراعة بسيطة وبدائية ولا تكاد تكفي المزارع. فهاجر قسم من السكان إلى المدينة وعملوا بالتجارة هناك. أما في الوقت الحاضر فتكاد لا توجد هجرة إلى المدينة.
دخلت المدرسة الابتدائية دير بعلبة عام ،1947 وكان التعليم مقتصراً على الذكور فقط الذين ينهون تعليمهم في الصف الخامس. وعام 1975 افتُتحت مدرسة إعدادية، تبعتها المدرسة الثانوية عام 1982. وصلت الكهرباء لبيوت القرية القريبة من الطريق العام، وخط الكهرباء عام 1971. ولم تعّم الإنارة الكهربائية جميع البيوت إلا في عام 1984.
وصل طريق الزفت الواصل بين حمص-السلمية ماراً بدير بعلبة عام 1956، واقتصر على هذا الطريق حتى عام 1984، حيث قامت الدولة بتزفيت بعض الشوارع الرئيسية دون أي تخطيط، وقد قام أهالي القرية بتنفيذ مجارير على نفقتهم الخاصة بعد ذلك مما أدى إلى تخريب الطرق المزفتة، ولا تزال دير بعلبة، حتى الآن، تشكو من عدم تزفيت الشوارع.
كانت دير بعلبة تستسقي مياه الشرب من الآبار ذات المياه السطحية، التي تلوّثت مع التقدم ثمّ جفّت، وحصلت أزمة عطش. ولهذا قام الناس بحفر آبار ارتوازية بعمق ما يقارب المائتي متر وتركيب مضخات كهربائية صغيرة للحصول على مياه الشرب.
أما عن المهر، فمنذ القديم كان ما يعادل المئة ليرة يشتري بها والد الزوجة ذهبا لابنته، ومنهم من يأخذ قسماً من المهر، ومنهم من يعطي المهر كله لابنته. أما في الوقت الحاضر فالمهر يُعطى للابنة على شكل ذهب أو حلي وهو ما يعادل العشرين ألف ليرة سورية.
تعتبر دير بعلبة في الوقت الحاضر من الأحياء الكبيرة في حمص، وفيها كثافة سكانية لابأس بها، حيث يبلغ عدد سكان الحي ما يقارب الثلاثين ألف مواطن، جميعهم محرومون من كافة الخدمات فلا شوارع ولا أرصفة ولا مياه ولا تنظيف.
أُحدث في الحي مستوصف على مستوى ضيق، ويقوم هذا المستوصف بفحص ومعاينة من يأتي إليه مريضاً، كما يقوم بتوزيع الأدوية مجاناً. لكن الأمر الذي يحدث هو أن المستوصف لا يقوم بما يتوجب عليه، فهو يبيع بعض الأدوية، ويوزع بعضها الآخر، ويتعامل مع الناس معاملة تدعو إلى الاشمئزاز.
المثير للنقمة أن بلدية حمص خصصت مكبّاً لجميع نفايات المحافظة في الجهة الشمالية الغربية من البلدة، وهي لا تبعد عن البيوت أكثر من خمسمائة متر. وهذا المكب يقع في أغنى منطقة زراعية خصبة وبين بساتين الخضار والفاكهة على ضفة قناة الري التي تروي المزروعات. سبب هذا المكب الأوبئة، وتكاثر الذباب، والكلاب الشاردة التي سبق وهاجمت القرية عدة مرات، وفي إحدى الهجمات أكلت طفلاً صغيراً. وقد قدّم الأهالي عدة اعتراضات للبلدية والحزب، ( ) ولم يرد عليهم أحد.
وزاد الطين بلة أن شركة إنشاء الطرق وضعت مجبلاً للزفت على طريق حمص-حماة بجانب البساتين، مما أدى إلى أضرار بالغة لأصحاب الأراضي التي تنتشر فيها ضبابة كثيفة من الغبار تغطي أوراق المزروعات فلا تنمو بصورة جيدة، وقد اعترض أهالي الأراضي المجاورة عدة مرات على ذلك دون جدوى.
أما عن ري الأراضي من قناة الري، فإن الوقت المحدد والكمية المصرّفة من القناة تكاد لا تكفي ثلث الأراضي التي يدفع عنها المزارع سنوياً ضريبة ري، فيضطر المزارع لرشوة مأمور الري الموجود في المنطقة وشراء ساعات من الماء، علماً أنه يدفع ضريبة ري أرضه بكاملها. وتعود هذه الأموال التي يجنيها المأمور بطريقة غير مشروعة إلى جيبه وجيوب رؤسائه. وقد اشتكى المزارعون من ذلك عدة مرات فتبين أن المسؤولين لهم ضلع بالعملية.
وعن تسويق المنتوجات الزراعية من خضار وفواكه، فإن المزارع يقوم بنقلها إلى سوق الهال وتسليمها إلى تاجر السوق الذي ينال على بيعها كومسيون ما يقارب10% ليقوم ببيعها لتاجر الجملة أو المفرق. ولا يكاد يصل للمزارع من ثمنها وأجور نقلها ونفقات بقائها عند تاجر السوق سوى الربع، مما يؤدي إلى زيادة في جشع التجار، وعدم إقبال المزارع على عملية الزراعة. إضافة إلى أن المزروعات الأخرى كالقطن والشوندر التي يسلمها المزارع حكما للدولة، فيلقى صعوبات كبيرة في الحصول على الموافقة على استلامها، وبالتالي الحصول على ثمنها مقتطعين منها ما يحلو لهم.( )
{ ظاهرة الفساد هذه، وما أورده المتحدث ونقله الدارس في أكثر من مثال، تشير بوضوح إلى انتشار الفساد في أوساط الفئات الحاكمة واستفحال أمره، وهذا في رأينا من الأسباب التي أدت إلى اندلاع التحركات الشعبية الاحتجاجية في آذار 2011، قبل أن تنزلق بعد مدة إلى العسكرة، حيث دخلت عوامل كثيرة لا مجال لبحثها هنا.}

أما عن جمعيات تربية وتسمين الحيوانات، فإن الدولة تعطي كميات محددة من الأعلاف للمندوبين عن الفلاحين، ويقوم هؤلاء المندوبون بتسجيل أعداد وهمية على أسماء الفلاحين لاستلام الأعلاف باسمهم حيث يقومون ببيعها بعيداً عن القرية في السوق السوداء وبأسعار مضاعفة، وحتى قبل استلامها حيث يبيعون بالرخص للتجار ويأخذون نصيبهم منها دون استلام ودون تسليم للمزارعين ومن هؤلاء: جمعية أعلاف البقر الحلوب رئيسها قاسم حليمة ، جمعية أعلاف التسمين رئيسها راتب النجيب، جمعية أعلاف الأغنام رئيساها برهان الشامي ومروان الطالب.