وضع قرية الروضة – بانياس

د. عبد الله حنا- فينكس:

إعداد الدارسة في المعهد النقابي بدمشق صباح حبيب محافظة طرطوس/ منطقة بانياس.( )
الموضوع عن ناحية الروضة كقرية وليست كناحية، لأن ناحية الروضة ينضم إليها أكثر من قرية (ضهر صفرا، الجنينة الحارة، المقعبرية، حيبو، الحريشة، مزرعة الأفندي (الفيحاء) حاليا ضهر مرقبة، الخراب الشمالي، والجنوبي وقرقفتي، وكرميا، عين الفرنج) كل هذه القرى تابعة إلى ناحية الروضة والتي يقدر عدد سكانها عشرة آلاف نسمة وقريتي في الإحصاء الأخير كانت حوالي 1800 نسمة.
ناحية الروضة:
اسمها القديم بزاق، سمّوها الروضة حديثاً، كان أفضل لو سموها جبل الزيتون، لأنه اسم على مسمى. ليس المهم في اسمها، المهم في موقعها، تاريخها، حياتها الاقتصادية، وظروف المعيشة فيها، ومنعكسات هذه الظروف على السكان وطبيعة معيشتهم والتأثير المباشر على السير الجاري لهذه القرية خلال المرحلة الحديثة.
تقع في منتصف الطريق بين طرطوس وبانياس على ارتفاع 300 م عن سطح البحر على مسافة 3 كم عن البحر. منذ 275 سنة وهي صحبة معه، وتناجيه، وتبث له أشجانها من الصباح إلى المساء، ولها ذكريات معه، منها الجميلة ومنها الحزينة. أعطاها أحياناً وأخذ منها أحياناً. عشقها بزرقته وجماله وصوت أمواجه وهي تنكسر على صخوره المجاورة. كان لها طريقاً إلى العالم الجديد، وأطعمها من خيراته. أخذ منها شبابا ابتلعهم في أعماقه، وضرب مواسمها برياحه الهوجاء المحمّلة برذاذ الملح الحارق. كل هذا لم يمنع من استمرار الصداقة والتحالف لهذه المدة الطويلة من التاريخ.
ويعود تاريخ هذه القرية إلى 275 عام في موقعها الحالي، إذ تغير مكانها ثلاث مرات، حيث تكون مكانها الحالي. أصول العائلات من أربع مناطق: عائلة بشارة من الغاب من السقيلبية، وعائلة سمعان وبيت حداد من لبنان، وعائلة حبيب من ماردين على الحدود التركية، وعائلة صهيوني من جبل صهيون بالقرب من اللاذقية. ولكل عائلة ظروف خاصة جعلتها تهاجر من موطنها الأصلي إلى القرية. وعائلة بيت السقا جاءت من دمشق.
بالنسبة لقريتي الروضة (بزاقة) قديماً كل شعبها طائفة موحدة، الروم الارثوذوكس الشرقية، وبُنيت فيها كنيسة مار جرجس بناها رجل لبناني اسمه جورج فيتالي، تزوج من بنات هذه القرية وتوفي قبل أن تنتهي، فوضع شريط أسود مرصوف بالحجارة حزنا عليه (البناء الثاني): أُوقِفَ هذا الأيقونسطاس( ) عام 1927، وعمر الكنيسة 1860 ميلادية.
ومنذ العهد القديم وحتى الآن مصدر معيشة القرية على الزراعة من البقوليات والزيتون الموسم الأساسي. هناك أشجار زيتون عمرها من قبل السيد المسيح بـ 150 سنة من عهد الامبراطورية الرومانية يسمى الزيتون الميري أو الزيتون العماري. ولهذا الزيتون قصة غريبة اليوم، حيث تعود ملكية الأرض لناس والزيتون لناس آخرين، والطرف الأول مالك الأرض، ليس له حصة في موسم الزيتون، وبقرار من المحكمة والمشكلة معلّقة حتى اليوم.
الظروف المعيشية في عهد الاحتلال التركي متدنية بشكل عظيم، حيث كان نظام الجندية( ) وعشر الموسم( ) والاضطهاد الخ... دفع هذا الفقر إلى الهجرة الخارجية وبالتحديد عام 1881. وكانت الهجرة الأولى حيث هاجر حوالي 140 شخص في الفترة ما بين 1910-1911. أما الهجرة الثانية (والهجرتان لم يَعُدْ أحد منهما إلى القرية حتى اليوم) فكانت وجهتها الرئيسة هي الأرجنتين – البرازيل – كوبا. الهجرة الثالثة كانت عام 1952-1961، وكانت باتجاه الأرض الجديدة (فنزويلا)، وفي هذه المرة عاد حوالي 60 % من الذين هاجروا في هذه الفترة، وتحسنت الأوضاع المادية بشكل ملموس وخاصة بعد عام 1960، حيث قام أهل القرية بتشييد الأبنية الحديثة من الاسمنت المسلح. وتقدم التعليم تقدماً ملموساً وبنيت أول مدرسة ابتدائية وإعدادية في عام 1953. ومن سخرية القدر أن من فتح هذه المدرسة جرى على يد الإقطاعي في القرية، ولقد كان يختلف هذا عن الآخرين بحبه لقريته ولأبناء طائفته وبحبه للتطور، وهذا ما كان يعطيه صفات مقبولة عن غيره.
والهجرة الحديثة إلى الخليج مثل الكويت وابو ظبي والسعودية، وهم قليلون ويعدون على الأصابع في حوالي الستينات والسبعينات، وعادوا إلى القرية وبنوا محلات تجارية (نصف فرن آلي) مثلا، ومطاعم وكافيتريا على الطراز الحديث ومنشرة وغيرها، وكلها طوّرت في عملية بناء حضارة وفتح سوق عمل في هذه القرية. أما الآن لا توجد هجرة، لا خارجية ولا داخلية، والسبب يعود إلى تطور الزراعة ودخول الآلة والمكننة الزراعية، ووجود الجمعيات التعاونية، والصيدليات الزراعية، والمهندسين الزراعيين، وإشرافهم على الزراعة وقرب القرية من مدينة طرطوس، ولمنطقة بانياس، وكون المحطة الحرارية وشركة مصفاة بانياس والاسمنت والطرق والعقارات والمالية والمؤسسات كلها في محافظة طرطوس. لا تبعد قريتي عن طرطوس سوى ثلث ساعة منها وربع ساعة إلى بانياس، والسيارات من قريتي إلى طرطوس ليست مؤمنة، بالرغم أن بعض العائلات قادرة وتملك سيارات نقل، ولا تنقل الركاب من القرية إلى المدينة، وإنما ننتقل إلى بانياس وطرطوس عن طريق الخط عام، ونحن ننتقل بالسيارات الزراعية حتى الآن.
والمواطن في هذه القرية يعشق الأرض حتى العبادة، ولا يبيع شبراً منها مهما كانت الظروف، ولو كان طبيباً أو مهندساً أو مدرساً أو موظفاً، يعمل بالأرض حتى بعد دوامه الرسمي وبالعطل الرسمية.
لهذا نشأت هجرة محلية من القرية كمسقفات، وانتقلت (تحولت) القرية تقريباً إلى مزرعة القرية، حيث كل مواطن بنى بيتاً أو قصراً جميلاً ضمن مزرعته، وأصبحت الزراعة هي المورد الأساسي للحياة، وذلك كون المياه متوفرة بغزارة والأرض معطاءة جداً، ونتيجة تطور العلم وكثرة المتخرجين من المهندسين الزراعيين أصبح لدينا أكثر من 200 بيت بلاستيكي.
والخضار التي تزرع الآن هي الخيار والبندورة والفاصولياء والفليفلة والباذنجان والكوسا وفستق العبيد والبطيخ الأحمر والأصفر. وبالنسبة للزراعة الشتوية القمح والشعير والعدس والحمص والفول، وكل هذه البقول والحبوب تُزرع بين أشجار الزيتون، وليس في الأراضي السهلية المخصصة فقط للخضار.
وكثير من الموظفين والمدرسين يملكون أراضي ويعملون في الجهتين الزراعية والوظيفية (إدارية، إنتاجية، اقتصادية، خدمية) وغيرها.
بالنسبة لقرية الروضة كناحية، الآن، يوجد لديها مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية، والتعليم جيد جداً، والمؤسسات الموجودة هي: مجلس بلدة (كناحية) ودائرة نفوس ومؤسسة مياه وكهرباء ومخفر شرطة ومؤسسة استهلاكية، وبالنسبة لمشروع التنظيمي لا يزال في بدايته يُنفذ بالتدريج حسب ميزانية البلدية.
الشعب يحب بعضه البعض، يجمعه الفرح والحزن، لدينا بعض الموظفين من خارج القرية كشرطة مثلاً، ومقسم الهاتف النصف آلي.
وفي موسم الزيتون تبدأ الهجرة الموسمية من مناطق مختلفة، للعمل في ناحية الروضة، ويوجد لدينا أربع معاصر زيتون، ويأتي عمال غرباء يعملون. فأكثرنا يملك زيتوناً والكل يعمل في أرضه لوحده بدون استئجار جهود الآخرين. أما الذين يملكون مساحات واسعة من شجر الزيتون، يستأجرون عمالاً غرباء ويعملون تقريباً ثلاثة لجني أشهر زيتون حسب الموسم.
أما بالنسبة لهؤلاء الذين يهاجرون إلى المحافظات البعيدة، وذلك بغرض العمل وموقعهم من الوظيفة كونها بعيدة عن مسقط راسهم، يعيشون هناك بحكم العمل، وهم أقلية من ضباط وأطباء ومدرسين وتجار، وكثير من الطلبة ذهبوا للدراسة خارج القطر في فرنسا أو ألمانيا أو أمريكا أو الاتحاد السوفييتي.