الأوضاع الاقتصادية لبلاد الشام في القرن التاسع عشر
د. عبد الله حنا- فينكس
الأوضاع الاقتصادية لبلاد الشام في القرن التاسع عشر
بين الرأسمالية الهامشيّة والعلاقات الاقتصاديّة
برزت في سورية منذ نهاية القرن الثامن عشر وبخاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر سلسلة من العلاقات المعقدة ذات التأثير العميق في البنيان الاقتصادي الاجتماعي. وأدت هذه العلاقات الى اصطدامات داخلية في قلب المجتمع وإلى ازدياد حدة الصراع الطبقي. وقد خلقت هذه التغيرات الاقتصادية – الاجتماعية الأساس المادي لتشكل وانبعاث حركة التحرر الوطني والقومي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
***
وقد تميزت التغيرات الاقتصادية بتطور العلاقات النقدية السلعية بالانحسار التدريجي للاقتصاد الطبيعي التقليدي، وذلك بسبب قيام السوق الداخلية، الذي أدى بدوره إلى تقلص السوق القبلية والقروية لاسيما في المناطق الساحلية، وإلى التخصص في زراعة أصناف معينة في مناطق مختلفة من البلاد من أجل تصديرها إلى الخارج. وأدى التخصص في زراعة أصناف معينة مطلوبة في السوق الأوروبية إلى انتشار زراعة القطن في شمال سورية وجبال العلويين ، والى تربية دودة القز في جبال لبنان. وبدأ انحسار الاقتصاد الطبيعي أو العيني (بضاعة مقابل بضاعة) وانتشار الاقتصاد السلعي. القائم على تبادل البضائع بالنقود يمتد شيئا فشيئا من المناطق الساحلية والمراكز التجارية إلى داخل البلاد، وقد ساهم دخول الرأسمال الأجنبي وارتباط بلاد الشام (سورية – لبنان – فلسطين – شرق الأردن) بالسوق العالمية الرأسمالية في الإسراع في عملية التطور هذه. وأصبحت سورية في الزمن اللاحق احدى الدول المصدرة للمواد الخام للدول الرأسمالية .
فتحت ضغط الرأسمال الأجنبي أصبح انتاج المحاصيل الزراعية المعدة للسوق أكثر تخصصا. فالقطن والحبوب والصوف في سورية وفلسطين وخامات الحرير في لبنان احتلت مكانا بارزا في الانتاج الزراعي.
وكان لهذه التغيرات الاقتصادية نتائج اجتماعية عميقة خاصة في القطاع الزراعي حيث عاش من / 60% - 70% / من السكان أدت إلى تفكك البنية الاجتماعية أكثر فأكثر، وإلى تكون فئات اجتماعية جديدة ستبرز ملامحها الواضحة بعد الحرب العالمية الأولى. فالتجار والمرابون وأصحاب الورشات الحرفية والمانيفاكتورات سيتحولون إلى بورجوازيي ريف ومدينة. والعمال المياومون والأجراء الزراعيون وعمال المانيفاكتورات سيشكلون البروليتاريا. ولكن الانتشار الواسع للانتاج السلمي لم يكن مصحوبا بتطور الاقتصاد الرأسمالي وزوال النظام الاقطاعي، كما حدث مثلا في أوربا الغربية. فقد حافظت المؤسسات الاقطاعية على وجودها ولم تتلاش، وكانت نتيجة ذلك ظهور سلسلة من الاصطدامات المعقدة في القطاع الزراعي واحتدام النضال بين الفئات الاجتماعية المختلفة من أجل امتلاك الأرض، وسيلة الانتاج الأساسي. وقد أدى الاستثمار الاقطاعي العثماني للفلاحين إلى قيام عدة انتفاضات فلاحية عفوية وغير منظمة على الغالب. ومع ذلك فإن هذه الانتفاضات أسهمت في اضعاف السيطرة العثمانية الاقطاعية على بلاد الشام العربية.
لم يكن تطور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية يجري بمعزل عن التطورات العالمية واتساع نطاق السوق الرأسمالية العالمية التي أسهمت في ادخال العلاقات السلعية النقدية. فقد هز الاقتصاد القاسم على تبادل السلع بالنقود العلاقات الاقطاعية في الريف السوري. وتحول عدد من مالكي الأراضي الاقطاعيين إلى مالك للأرض يديرها بأسلوب نصف اقطاعي. وبدأنا نشاهد إلى جانب أساليب الاستثمار الاقطاعي المعهودة سلسلة من الطرائق الرأسمالية ونصف الرأسمالية للاستثمار.
في منتصف القرن التاسع عشر أخذت تبعية أقسام مختلفة من الريف، لاسيما الساحل، للسوق تزداد باستمرار. فبعد أن كان الفلاحون، وفقا لأقوال فولني عام / 1823 / يبيعون بضائعهم بأنفسهم في أسواق المدن الساحلية، وكذلك الداخلية، أخذ الوضع في أواسط القرن التاسع عشر يتغير في عدد من المناطق، وأخذ يزداد دور الوسيط والتاجر كأداة وصل بين الفلاح والسوق. ولم يكن الأمر الجديد هنا يتجلى في انقطاع الفلاح عن السوق بقدر ما كان يتجلى في تغير طابع الصفقات التجارية التي بدأت تتشابك بقوة مع عمليات الربا. وكان يساعد على هذا حالة العوز وانعدام الحقوق التي كان يعيشها الفلاح من جراء الاستثمار الاقطاعي الفظيع. وقد كتب الروسي ل. م. بازيلي يقول: في فترة جباية الضرائب من كل عام ( أي في أصعب ظروف حياة الفلاح) كان يتوجه جيش من التجار الوسطاء الى الريف في سوريا ولبنان فيستغلون حاجة الفلاحين إلى المال ويقدمون لهم قروضا مقابل رهن المحصول القادم بفائدة تتراوح بين / 3 و 5 / بالمئة في الشهر أو أنهم كانوا يشترون المحصول سلفا بثلثي السعر أو بنصفه.
ان تطور الاستغلال التجاري الربوي في الريف، اضافة إلى الاستغلال الاقطاعي (الحكومي العثماني والخاص) عرقل إلى حد بعيد نمو العلاقات السلعية – النقدية. وجاء سيل السلع الصناعية المتدفقة من أوروبا الرأسمالية ليوجه ضربات أليمة للحرفة والمانيفاكتورة، التي تناقص عددها بشكل ملحوظ.
كما شمل الخراب قسما من كبار ملاكي الأراضي نتيجة انحلال وتزعزع العلاقات الاقطاعية في بعض المناطق. وظهرت في بعض المناطق، كلبنان مثلا، فئة جديدة ذات صفات نصف اقطاعية تحدرت من تجار المدن الذين استثمروا رأسمالهم في الريف – ولكن تحولا عميقا للملكية الاقطاعية إلى ملكية رأسمالية أو بالأصح إلى استثمار رأسمالي للأرض لم يتم إلا بنسبة ضعيفة وعلى نطاق محدود – نتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية كثيرة. وهكذا فقد بقي نظام المحاصصة أحد الاشكال الرئيسية السائدة في الاقتصاد الزراعي.
وفي الحقيقة فإن استثمارا رأسماليا للأرض مثل الذي حدث بعد عام / 1945 / لم يوجد في مطلع القرن العشرين إلا على نطاق ضيق جدا في المناطق الساحلية وحول المدن التجارية وعلى امتداد الخطوط الحديدية.
وأدت التغيرات الاقتصادية الاجتماعية إلى تناقضات معقدة داخل الطبقة الاقطاعية ولاسيما قسم من الاقطاعيين المحليين من جهة والسلطة المركزية وجهازها الاداري في الولايات من جهة ثانية، وأدى هذا إلى تشكل تجمعات سياسية داخل الطبقة الاقطاعية وبرز من ضمن هذه التجمعات السياسية قسم من القوى الاقطاعية التي وجدت نفسها مسوقة بدافع مصالحها وتناقضاتها مع الجهاز التركي الحاكم، إلى المشاركة بهذا الشكل أو ذاك وبحماس قل أو كثر، في النضال التحرري الوطني والقومي للشعب العربي في بلاد الشام هذه الفئة هي ما يطلق عليها عادة فئة الاقطاعيين الليبراليين، الذين وقفوا ضد الحكم التركي ودعموا الحركة الوطنية والقومية بدرجات مختلفة، مع العلم ان القسم الأكبر من الاقطاعية وقف إلى جانب الحكم التركي الاقطاعي.
كان لانتشار الاقتصاد القائم على تبادل السلع بالنقود والتنافس بين الفئات الاقطاعية المستثمرة من تركية ومحلية أثره السيء على الفلاحين. كما أخذ النظام القديم للملكية المشتركة للأرض في الزوال تدريجيا. مما أدى إلى تغير طابع الاستثمار وإلى ازدياد الوضع الاجتماعي للفلاحين سوءا.
وقد ارتبط انتشار الاقتصاد القائم على تبادل السلع بالنقود في القطاع الزراعي بازدهار الاستثمار القائم على أساس التجارة والربا. وقامت البرجوازية التجارية التي كانت تصدر إلى البلدان الرأسمالية المواد الخام الزراعية باستثمار الفلاحين بشكل شنيع وبأسلوب لا انساني وفي كثير من الحالات لم يكن الملاك الكبير مالكا للأرض فحسب، بل كان أيضا مرابيا ووسيطا لنقل البضائع. وقام بعض الاقطاعيين بتحويل جزء من رأسمالهم من الزراعة إلى استثمارات البناء والتجارة. وأدت هذه العملية إلى تشابك الفئة التجارية في المدينة بالطبقة الاقطاعية وإلى تداخل مصالحهم الطبقية في استثمار ونهب الفلاحين. كما انتقل قسم من الاقطاعيين ولو على نطاق محدود إلى تاجر دون أن يفقد صفته الاقطاعية الاساسية، وتحول قسم من التجار إلى ملاك للأرض دون أن يتركوا نشاطهم التجاري. ونشأت مع الزمن ولاسيما بعد الحرب الأولى طبقة اقطاعية تجارية كانت صلة الوصل بين البرجوازية والاقطاعية. وقد لعبت هذه الفئة دورا هاما في توجيه سياسة الكتلة الوطنية أيام الانتداب. أما في فترة ما قبل الحرب الأولى فإن هذه الفئة الاقطاعية البرجوازية كانت لا تزال في دور التكون.
وهكذا فقد أدى تداخل الاستثمار الاقطاعي للفلاحين مع استثمارهم بالطرق الرأسمالية إلى ازدياد حدة استثمارهم واستعبادهم الشخصي من قبل الطبقات المالكة للأرض والمال. وبسبب حاجة كبار الاقطاعيين إلى المال من أجل سد حاجاتهم الطفيلية والكمالية لاسيما بعد غزو السوق الرأسمالية للشرق بشكل عنيف، ومن أجل سد نفقات انغماسهم في اللهو والترف أكثر فأكثر لمجاراة "المدنية البرجوازية الغربية" ازداد استثمار الفلاحين حده وازدادت في الوقت نفسه عنجهية الاقطاعي وأصبحت لسعات سوطه تتناغم مع ازدياد نهمه إلى المال الضروري لسد النفقات المتزايدة.
ويجب في هذا المجال عدم اغفال دور الرأسمالي الأجنبي الذي كان يسعى أكثر فأكثر لربط القطاع الزراعي بالسوق العالمية متجاهلا مصلحة الفلاحين. مما أدى إلى خراب قسم من الفلاحين وفقدانهم للأرض التي عملوا عليها. كما أسهم الرأسمال الأجنبي بشكل غير مباشر في استثمار الفلاحين وهم أكثرية الشعب عن طريق توظيف رؤوس الأموال الأجنبية وجني الأرباح الهائلة من عرق الشعب ودمه.
ونترك المعاصر للأحداث وابن اللاذقية يوسف الحكيم يروي لنا ما حل باللاذقية من جراء زراعة التبغ في مستهل القرن العشرين كتب الحكيم :
قبل حصر الدولة العثمانية التبغ والتنباك، كان تجار اللاذقية، حتى أواخر القرن التاسع عشر، يصدرون التبغ إلى القطر المصري، وكان أهم هؤلاء التجار من آل فتالي وحبيشي. وبعد تأسيس ادارة الحصر واحتكارها التبغ المعروف بشك البنت، المخصص للاستهلاك الداخلي بعد مزجه بتبغ صمسون والرومالي، ترك للتجار حرية تصدير التبغ المسمى أبو ريحه لاكتسابه الرائحة الزكية من الدخان المتصاعد من حرق أغصان أشجار العزر الكثيرة في جبال قضاءي صهيون وجبله. فكان هذا الحاصل من التبغ يصدر بعد ترتيبه في طروده إلى انكلترا حيث يمزج في المصانع بتبغ الغليون بنسبة لا تتجاوز العشرة بالمئة. وكان أهم تجار هذ النوع من التبغ هم سعادة ونصري وشومان، ثم التحق بهم حمادة، فظلوا يجنون من تجارتهم هذه أرباحا معتدلة تضمن نشاطهم وتمويلهم زرع هذا الصنف بأيدي أهل القرى الجبلية والسماسرة، وجلهم من قضاء صهيون، حتى فوجئوا سنة / 1902 / بأنباء وردتهم من عملائهم البريطانيين بارتفاع أسعار الكميات الموجودة في المستودعات ارتفاعا لم يسبق له مثيل. فبلغت أرباحهم في تلك السنة عشرة أضعاف المعتاد في السنين السابقة، مما زاد في نشاطهم ودفع بهم إلى الاكثار من السلف الى كبار المزارعين الجبليين والسماسرة لضمان وفرة الموسم المقبل.
تنبه إلى هذا النشاط صغار التجار والمتمولين، فأخذوا بدورهم يقدمون معظم ما لديهم من أموال سلفا للمزارعين والسماسرة اقتداء بكبار التجار، مما دعا هؤلاء إلى جمع الكلمة وتأسيس نظام السنديكا (النقابة) بين جميع الراغبين في تجارة التبغ، حذرا من التفرقة التي تؤدي إلى التزاحم فسقوط الأسعار في الأسواق المرسلة إليها، أي في انكلترا دون سواها.
وبفضل كثرة عرض السلف وتكاثر عدد تجار هذا النوع من التبغ وزيادة زراعته، ظهرت بوادر الرخاء وسعة العيش بين الزعماء والزراع والسماسرة، وكلهم من القرى الجبلية. فأخذوا يفدون إلى المدينة ويرتادون فنادقها ومقاهيها وملاهيها ويبذلون المال بسخاء ويقتنون أحسن أنواع الاثاث لتجهيز منازلهم في الجبل. ولم يكتف كبراؤهم بمصنوعات اللاذقية فأوصوا على أفضل منها من موجود مصانع بيروت، فدلت تصرفاتهم على استعدادهم لتقبل الحضارة الحديثة ورفع مستوى المعيشة عند سنوح الفرصة.
ولما حان موسم قطف التبغ وتدخينه وترتيبه، تعاظمت الآمال بنجاحه على غرار الموسم السابق وتم تصديره كالمعتاد إلى انكلترا وبدأ الانتظار وطال ارتقاب النتيجة المبتغاة، وبدت الحاجة إلى المال للتسليف على الموسم المقبل، حتى فوجئ أركان السنديكا ينبأ سقوط الأسعار في انكلترا سقوطا مريعا نظرا إلى زيادة التبغ الوارد على حاجة المعامل والاستهلاك زيادة كبرى كان نصيبها الكساد في المستودعات. فدب الذعر في نفوس صغار التجار وضعف الاعتبار المالي وبرزت حاجة المزارع لتأمين معيشته، ولم ينج من هذه الكارثة سوى قلة من التجار لم يدخلوا السنديكا وأسرعوا في تصدير بضاعتهم وتصريفها بأسعار جيدة.
أما الباقون من تجار وزراع، فدب اليأس إلى قلوبهم مدهوشين من هذا الانقلاب السريع بين الارتفاع البارز في أسعار الموسم السابق والكساد المريع في موسم السنة التي عقبته فسموها السنة المجنونة.
كانت الشركة البريطانية "تروست أمبريال" أكبر عميل بين عملاء تجار التبغ، تملك أعظم معامل التبغ على اختلاف أنواعه في انكلترا. فلما رأت المكاسب التي يجنيها هؤلاء التجار بواسطتها، نزلت إلى ميدان مزاحمتهم، ففتحت مكتبا لها في اللاذقية لتسليف المزارعين وشراء حاصلاتهم من التبغ.
وفي بيروت ظهر مشروع استثمار أراضي الحولة من قبل شركة بيهم وسلام وسرسق الذي لقي في البدء معارضة في العاصمة لأسباب اقتصادية وسياسية... ثم ضمن والي بيروت لأصحاب الشركة المراكز الحكومية الهامة التي تساعد على نجاح المشروع(30).
وفي أراضي الحولة وبيسان شمالي فلسطين نشطت الشركات الرأسمالية والصهيونية من أجل الاستيلاء على الأرض وتهجير فلاحيها وهذا ما سنراه في فصل لاحق.