المسألة الزراعية وحالة الأمن الغذائي في سورية.. في ظل وضع "لا أمن غذائي"

*كتب الدكتور نور الدين منى- فينكس:

نتيجة الحرب السورية منذ عام 2011؛ ونتيجة لتأثر القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني.. فهذا انعكس سلباً خلال الأحد عشر عاما الفائتة؛ على  مستوى الأمن الغذائي السوري.

 فالأمن الغذائي مصطلح يشير إلى توفر الغذاء للأفراد دون أي نقص.. ويتحقق عندما لا يخشى الفرد من الجوع.

 ومن أهم عقبات ومعوقات تحقيق الأمن الغذائي السوري؛ كانت ومازالت:

 الحرب؛ والجفاف؛ وأزمة المياه وعدم توفر الأمن المائي.. إضافة لانتشار الأمراض والآفات..

 وإهمال إدارة الأراضي الزراعية.

بالإضافة ل تفشي الفساد الإداري ومفرزاته والذي أصبح متفشيا بين أفراد المجتمع.

وهذا أدى إلى:

 صعوبة توفر السلعة الغذائية.. وارتفاع سعر السلعة الغذائية.. وعدم توفرها في الوقت المطلوب.

 ورافق ذلك ضعف القوة الشرائية لليرة السورية أمام العملات الأخرى كالدولار.

نظراً للظروف التي سادت، فلم يتساو إنتاج الغذاء داخلياً مع الطلب عليه، لذلك انخفض مستوى الاكتفاء الذاتي.. بالإضافة إلى صعوبة الاستيراد نتيجة العقوبات الاقتصادية على كثير من مستلزمات الإنتاج.

 نتيجة لهذا الوضع؛ أصبح مؤشر الأمن الغذائي في سوريا يشير إلى أن 85 - 90% من السوريين  يعيشون تحت خط الفقر؛ وذلك نتيجة أسباب متعددة.

تدنى إنتاج القطاع النباتي وخاصة القمح والشعير ومحاصيل البقوليات لأسباب متنوعة منها: ضعف الإدارة؛ وسوء تطبيق السياسات الزراعية تحت ظروف الأزمة؛ وعدم تبني سياسات تكثيف زراعي في المناطق الآمنة؛ إضافة للحرائق للمحاصيل الزراعية في الفترة الأخيرة.. وأسباب كثيرة.

 ولاقى الإنتاج الحيواني نفس المصير من حيث انخفاض مساحات الرعي؛ والتصدير غير المدروس؛ وكذلك التهريب إلى الدول المجاورة؛  والسرقات والتعدي على القطعان في البادية. إضافة إلى ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج الحيواني من الأدوية البيطرية والأعلاف؛ وعدم اتباع نظم زراعية رعوية متكاملة.

 لذلك المواطن أصبح في وضع "لا أمن غذائي".. ورافقه ارتفاع كبير في أسعار اللحوم الحمراء. فالمواطنون ذوي الدخل المحدود لا يستطيعون استهلاك اللحوم الحمراء والبيضاء بشكل عام.

 لهذا نلاحظ تراجع مؤشر الاكتفاء الذاتي بشكل كبير في عدد من المحاصيل وأشجار الفاكهة.

 وللأسباب سابقة الذكر؛ سورية كانت بالماضي مكتفية ذاتياً، وتصدر القمح... أما الآن غير مكتفية.

وجاء تقرير الأمم المتحدة الفاو ليقول بتدني إنتاج القمح في سورية ب 60% والأدنى منذ خمسين عاماً.. وتخوف من مجاعة جماعية في حين أن وزارة الزراعة  قد أطلقت إسم عام 2021 بعام القمح.

 والمشكلة أحياناً ليس بتوفر السلعة محلياً؛ وإنما عدم قدرة المستهلك على شرائها لضعف القوة الشرائية وتدني الدخل. ولهذا يصنف المجتمع السوري بأن  85 % وأكثر لا يقدرون على تأمين احتياجاتهم الغذائية.

مؤشرات الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي؛ تشير إلى أن عمليات التخطيط التأشيري والإشراف الفعلي الحكومي كان ضعيفاً خلال الأزمة... بما يخص الحد من عمليات القطع الجائر؛ وإعادة ترميم الآبار؛ وتأمين مستلزمات مواد الإنتاج والأعلاف وضعف التكنولوجيا المستخدمة.. مما أدى بذلك إلى تدني الإنتاجية الزراعية؛ والتدني في الكميات المنتجة؛ مما فاقم  في مشكلة الأمن الغذائي.

 هل أصبح الامن الغذائي في سورية مهدد بالخطر، وهل ممكن أن نصل للجوع..!؟ 

 هناك عدد كبير من المواطنين انخفض عدد الوجبات الغذائية والمحتوى الغذائي من المواد البروتينية لديهم، وكثير منهم لا يقدر على شراء الفاكهة.

 يمكن القول أن الوضع خطر؛ بل خطر جداً... ما لم تتخذ إجراءات إسعافية وطارئة؛ لتأمين الحد الأدنى من احتياجات الأمن الغذائي.

  إذا تم الاختصار من 3 وجبات إلى  وجبة، فماذا يمكن القول للأسر التي تعجز عن تأمين ربطة الخبز..؟!

المشاكل والصعوبات التي حالت دون تحقيق الأمن الغذائي واستمراره..!

- ضعف كفاءة الأجهزة الإدارية العاملة في المؤسسات المسؤولة عن القطاع الزراعي.

- عدم القدرة على وضع الاستراتيجيات وتفعيلها.

-  ضعف فاعلية التخطيط المركزي على تطبيق السياسات والاستراتيجيات في القطاع الزراعي.

 – الزراعة البعلية ( 70 % من المساحات المزروعة ) لها أسباب لتدني انتاجيتها (مناخ – جفاف – مخاطرة..).

- ضعف حجم الدعم المالي  الزراعي للفلاحين والمزارعين  مقارنة؛ بارتفاع تكاليف الأسمدة والمبيدات والمحروقات....

- انتشار الفساد والمحسوبيات في كل مراحل توزيع مستلزمات الإنتاج.

- ضعف استخدام تقنيات الري الحديث.

- مشاكل تسويقية..

- التصدير العشوائي لكثير من منتجات القطاع الحيواني. 

من الحلول الممكنة التي تساهم في تحسين الأمن الغذائي:

- الإسراع في إعادة تأهيل البنى التحتية الزراعية التي طالها الخراب والدمار نتيجة الحرب (آبار – طرقات – قنوات ري).

- إعادة الفلاحين لأراضيهم التي أصبحت محررة؛ من خلال تقديم محفزات مالية.

- تفعيل التنسيق مع منظمات دولية ومراكز بحوث زراعية؛ لدفع عجلة التنمية.

- الدعم المالي للمزارعين والفلاحين وخاصة لزراعة المحاصيل الاستراتيجية.. تخفيض أسعار المحروقات؛ وتوفير المستلزمات المستوردة بأسعار تشجيعية؛ إضافة لقروض للفلاحين؛ وتأمين تسهيلات للحصول على المقننات العلفية.

- التسويق الزراعي وتصريف الإنتاج يعتبر مشكلة  اقتصادية تنموية.. حلها يساهم في تحسين وضع الأمن الغذائي. 

- بالتأكيد اتباع الطرق العلمية في تطبيق السياسات الإنتاجية.

 - وقف تهريب الأغنام كلياً خارج سورية.. واتباع سياسة تصدير مبرمجة.

- تشجيع الاستثمار الزراعي؛ مع تأمين المناخ الاستثماري المناسب.

أخيراً أهمية الدعم الزراعي لمواجهة العقوبات ومنها قانون قيصر على سورية.

وخلاصة القول:

 إن التنسيق الشامل والكامل والتشاركي في الزراعة السورية هو ضعيف جداً وغير فعال، ولهذا لن يتحقق الأمن الغذائي المستدام في سورية إلا من خلال تشكيل هيئة استشارية عليا؛ صاحبة قرار وصلاحيات واسعة وترتبط مباشرة برئاسة الجمهورية.

  *أستاذ جامعي و خبير أممي سابق و وزير زراعة أسبق.