جمانة طه: بمناسبة يوم المرأة

في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهرت بوادر تحرر المرأة في بلاد الشام ومصر ولاسيما عند بنات الطبقة العليا بسبب تعليمهن وانفتاحهن على الحياة الغربية. فلمعت منهن عديدات في مجالات على جانب كبير من الأهمية، قلما خاضتها أو فكرت فيها نساء في ذلك الزمن. أستذكر منهن:
في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ظهرت بوادر تحرر المرأة في بلاد الشام ومصر ولاسيما عند بنات الطبقة العليا بسبب تعليمهن وانفتاحهن على الحياة الغربية. فلمعت منهن عديدات في مجالات على جانب كبير من الأهمية، قلما خاضتها أو فكرت فيها نساء ذلك الزمن. أستذكر منهن:
مراش" 1848-1919"، زينب فواز" 1850-1914"، هدى شعراوي"1879- 1947، لبيبة هاشم" 1880-1952، عفيفة كرم"1883-1924"، جوليا طعمة دمشقية"1884-1954"، ماري عجمي" 1888-1965، نديمة منقاري"1904-1992"، نظيرة زين الدين" 1908-1976" درية شفيق"1908-1975" وثريا الحافظ "1911-2000"، وسواهن كثيرات.
***
اخترت اليوم الحديث عن رائدتين سوريتين من حلب، هما:مريانا مراش ونديمة منقاري، وسأتابع مع الأيام التحدث عن الباقيات.
مريانا مراش"1848-1919" سورية من مدينة حلب، شاعرة وإحدى رائدات الصحافة. نشأت في عصر كان الجهل والأمية يحكمان المجتمع، وترعرعت في أسرة مثقفة منفتحة على الشعر والأدب والصحافة. فأبوها فتح الله علاَّمة عصره، وأخوها فرنسيس أحد الرواد في عصر النهضة العربية.
أتقنت اللغتين العربية والفرنسية، ونشرت مقالاتها في الصحف والمجلات في العام 1870. سافرت إلى أوروبا، وانفتحت على الحضارة الغربية حيث تتعلم المرأة وتعمل جنباً إلى جنب الرجل. بعد عودتها إلى الوطن من رحلتها إلى الغرب، افتتحت في بيتها صالون أدبي، كان الأول من نوعه في سورية. ثم بدأت مرحلة حَثُّ النساء على تحدي الواقع، والمطالبة بحقوقهن في التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية.
في مقالة لها تحت عنوان "جنون القلم"، انتقدت انحطاط الكتابة، ونبهت الجيل الجديد إلى الالتفات للغة وتحسين الإنشاء وترقية الموضوعات. قال عنها الأديب الناقد قسطاكي الحمصي:" كانت مريانا مراش رقيقة الشمائل، طيبة الشعر". وقال عنها سامي الكيالي: "عاشت مريانا حياتها في جو من النعم والألم، وعاشت مع الأدباء والشعراء ورجال الفن. قرأتْ ما كتبه الأدباء الفرنسيون والأدباء العرب، فتكونت لديها ثقافة تجمع بين القديم والحديث".
من قصيدتها "زهور"، نقتطف:
زهور الروض تنسم عن ثغور
زَهتْ، فَحكتْ عقودًا من جُمان
نَداها يُبهجُ الأرواحَ رشفًا
به ماءُ الحياة لكل دانِ
رعاه الله من روض أرانا
من الأغصان قامات الحسان

نديمة منقاري"1904-1992" الحلبية السورية، صحفية ومربية سعت إلى إنماء الوعي لدى المرأة وحقها في الدفاع عن حقوقها، وممارسة التعليم والعمل.
درست الابتدائية في المدارس العثمانية، والإعدادية في مدرسة الأرمن الكاثوليك مما مكنها من إتقان اللغة الفرنسية وتفوقها في الترجمة عنها. كما تمكنت من اللغة العربية، بفضل أستاذها علّامة حلب محمد الحنيفي.
تخرجت في دار المعلمات، ودرست في مدارس حلب قبل أن تنتقل إلى مدارس حماة مع زوجها الشيخ عطا الله الصابوني الذي كان من أهم رجالات الفكر في حلب.
أنشأت في حماة مجلة "المرأة" في العام 1930، وكانت ثاني مجلة تصدرها امرأة في سورية بعد مجلة العروس لماري عجمي.
كتبت نديمة على غلاف المجلة: "المرأة مربية الرضيع ومعلمة اليافع ودليل الشاب ورفيق الرجل".
وعلى الرغم من أن المجلة صُنفت مجلة نسائية تهتم بالفنون النسوية ومشكلات الاسرة والبيت، إلا أنها كانت أيضًا تهتم بالشأن الأدبي والثقافي والاجتماعي، وتطرح العديد من القضايا المجتمعية. استمرت المجلة في الصدور مدة عام، ثم توقفت بأمر من سلطة الانتداب الفرنسية لأنها وجدت فيها منبرًا حرًا مناوئًا لسياستها.
بعد الاستقلال قدمت نديمة على دمشق، وأعادت إصدار مجلتها بحلة جديدة بالشكل والمضمون. فجاءت مجلة شهرية للثقافة والأدب والفن، بحدود أربعين صفحة من القطع المتوسط بعضها ملون ومصور. كتب فيها أدباء وشعراء، منهم: جميل سلطان فؤاد الشايب محمد مبارك شوكت الشطي منير العجلاني حافظ الجمالي أحمد الصافي النجفي فاتح المدرس علي رضا وغيرهم. وكاتبات ناشئات سطعت أقلامهن فيما بعد، منهن: عفيفة الحصني فاطمة الجيوشي بلقيس عوض وداد سكاكيني ثريا الحافظ وسواهن. تحلت المجلة بالجرأة والمصداقية، وطرحت للنقاش موضوعات دينية وثقافية مهمة بأقلام كتاب لهم حضور في الشأن الفكري والثقافي.
كتب فارس الخوري ذات يوم لنديمة منقاري يقول: "صدور هذه المجلة من جديد بعث في نفسي فرحًا واغتباطًا. وأرجو أن أجد فرصة مواتية أدون فيها ما يجول في خاطري حول الشؤون التي تطرح، وأقدمه للنشر في مجلتك العزيزة التي أرجو لها على يديد كل النجاح وأعظم الازدهار". تركت نديمة التدريس وعملت في الإذاعة السورية، فاهتمت بالمرأة وشؤونها وخصصت لها برامج توعية للخروج من قوقعتها ومعرفة حقوقها. وأهم ما تمتاز به مسيرة نديمة في التدريس والصحافة، هو شعارها بأن المجتمع لا يرتقي إلا بنساء متحررات بالعلم والمعرفة من الجهل والعادات البالية.

من كتاب "المرأة العربية في منظور الدين والواقع" للأديبة جمانة طه