حول مياه نبع بردى وسواه!

د. معن داود

كلام منشور متداول، أنشأه صانع محتوى رقمي غير مختص، حول تجفيف مياه نبع بردى، هو كلام شعبوي عموماً ينمّ عن عدم معرفة وافية بالجيولوجيا وعلوم هيدرولوجيا المياه الجوفية، وعن تغاضٍ عن الأسباب الحقيقية لما تعانيه مياهنا الوطنية من سوء تخطيط استخدامات وإدارة مترافقة بجفاف إقليمي وتأثيرات تغيرات المناخ العالمية، والاستناد إليه بهذه الطريقة هو سقوط في جهالة معرفية.
السبب الرئيس هو السماح بحفر الآبار ضمن منطقة التأثير المباشر وغير المباشر على الحُرُم والضخ العشوائي بحجة التوسّع في الزراعات المروية ضمن سهل الزبداني منذ 1987 وما تلاه، لتاريخه...
هذا الأمر استمر، ويستمر للأسف، رغم سقوط نظام الطاغية الأسدي، في السماح بشكل عشوائي بحفر آبار في حُرُم نبع عين الفيجة أيضاً مما أدى ويؤدي إلى استنزاف منظومة التغذية الكارستية ودمار مصدر مياه شرب مدينة دمشق الرئيس.
هلا يكون العقل والعلم لنا نبراساً!
وردّاً على طلب أحد أصدقائي أن أوضِّح الأمر أكثر، أورِد التالي:
أنا يمكنني إعطاء إجابة عامة غير وافية... رغم أن اختصاصي هو إدارة الموارد المائية (ودراسة الهيدرولوجيا والهيدروجيولوجيا كانت جزءاً من اختصاصي الجامعي الأساس)،... مَنْ درسوا حوض الساكب لنبع بردى (حويضة الزبداني) بشكل مستفيض، ووضعوا النموذج الرياضي له لاحقاً، هم مجموعة من الخبراء السوريين المحترمين علمياً، وواسعي الاختصاص، منهم على سبيل الذكر لا الحصر: الدكتور واثق رسول آغا (هيدروجيولوجي وهيدروفيزيائي)، الدكتور جان خوري (اختصاصي دولي معروف في هيدرولوجيا الكارست)، الدكتور عبد الله الدروبي (هيدروكيمياء المياه الجوفية)، الدكتور محمود السباعي (نمذجة إدارة موارد مائية)... وعشرات غيرهم. لكن يمكنني إعطاء رأيي في نمط الإدارة العامة للحوض المائي الفرعي المذكور وهو ما أراه السبب الرئيس للمشكلة التي نواجه.
يعاني حوض بردى، كما سواه من أحواض الينابيع الكارستية السورية (رأس العين، السن، الفيجة، الزرقاء،...)، من مشاكل شعبوية إدارة المورد الطبيعي (وهو ليس فقط مورد المياه، بل والأرض والتنوع الحيوي) لكامل الحوض الصباب المغذي، وعدم التزام القائمين (المكلفين قانوناً، والذين ينتمون إلى مؤسسات يُفترض بعناصرها حماية الصالح العام وحقوق الأجيال القادمة) على حماية هذا المورد بمهام عملهم وحدود مسؤولياتهم (يرجع هذا أحياناً تكثر في السنوات الأخيرة لضعف معرفي وحقوقي ليسوا هم بالذات سببه). وفي ظروف التأثيرات العميقة للشذوذات المناخية المحلية الناجمة عن تغيرات المناخ العالمية التي تؤدي إلى انخفاض مطّرد للواردات المائية المتاحة للاستثمار بشكل سريع، متناغمة مع ازدياد الطلب على المياه تكون الحلول شعبوية الطابع كارثية: فقدان المورد المائي في أوقات حرجة من السنة الهيدرولوجية، بل وقد تصل الأمور إلى جفافه دون عودة (من لا يحسب لن يسلم..) مع حدوث جفاف إقليمي ذي طابع كارثي.
يساهم في المشكلة محاولات القفز إلى الأمام (وهو قفز في هاوية بلا قرار) من خلال السماح بحفر الآبار في زمام وحُرم تلك الينابع مما يُضِرُّ حتماً ومباشرة بمنظومات الجريان الجوفية، وقد يؤدي إلى انهيارها وغور مياهها دون عودة (نبع الكبريتي 1 في منطقة رأس العين مثال فج).
أرجو أن أكون قد أوضحت!