متى يتحول الشارع الى غابة
منيب هائل اليوسفي
لا شيء يفضح معدن الشعوب مثل لحظة مواجهة بين مواطن وقانون. لحظة يمد الشرطي يده ويقول: ( توقف، هذه مخالفة) فاما ان نرى مجتمعا يحترم نفسه، او نرى غابة تصرخ فيها الوحوش.
الفيديو الأخير لفتاة تشتم شرطي مرور لأنه خالفها لم يكن مجرد انفعال عابر. كان مرآة مشروخة نرى فيها وجوهنا جميعا. لم تكتف بسب الشرطي، بل ذهبت الى أبعد من ذلك: الى الطائفية، الى الحقد، الى حفر خندق بين الناس، وكان القانون ابن طائفة، وكان العدالة لهجة تنطق بالقاف او بالكاف.
في القانون السوري، هذه الافعال ليست (رأيا شخصيا). المادة 373 من قانون العقوبات تعاقب كل من (أهان موظفا او عاملا اثناء قيامه بوظيفته او بسببها) بالحبس حتى سنة. أما المادة 307 فتصنف كل عمل او كتابة او خطاب يقصد منها (اثارة النعرات المذهبية او العنصرية) كجريمة عقوبتها الحبس من ستة اشهر الى سنتين، مع تشديد العقوبة اذا ادى الفعل الى اثارة الفتن او تعكير الصفاء بين عناصر الامة.
وفي الدستور السوري، المادة 33 تؤكد ان (المواطنين متساوون امام القانون في الحقوق والواجبات)، ما يعني ان المخالفة تطبق على الجميع بلا اعتبار للدين او الطائفة او اللهجة.
اما في الاخلاق، فهنا المصيبة الاكبر: لان الشتيمة التي خرجت من فمها لم تكن موجهة للشرطي وحده، بل لكل فكرة النظام، لكل مفهوم الدولة، لكل معنى اننا مجتمع تحكمه قواعد.
لقد قلتها مرارا في قاعات المحاكم: القانون ليس شرطيا يقف على زاوية شارع، بل هو عقد غير مكتوب بيننا وبين انفسنا. اذا انهار هذا العقد، انهارت المدينة، وسقطت الدولة، وتحولت الشوارع الى حلبات مصارعة.
ولم لا نعترف؟ نحن مجتمع احب تحويل القانون الى (مزاج). نحترمه اذا خدم مصالحنا، ونلعنه اذا خالف اهواءنا. لكن القانون ليس طبق كنافة ناكله وقت نشتهي. انه الحد الفاصل بين الانسان والوحش.
اعرف ان البعض سيتذرع بحرية التعبير. لكن حرية التعبير ليست حرية للقتل المعنوي، ولا جواز مرور لتمزيق النسيج الاجتماعي. القانون هنا ليس خصما لهذه الفتاة، بل حاميا لها ولنا. لانه ان سقط القانون اليوم عند قدميها، فسيسقط غدا فوق رأسها.
وخاتمة القول:
الى السيد المحامي العام الاول بدمشق، والى سعادة رئيس عدلية دمشق، اتوجه بهذه المناشدة بصفتي مواطنا ومحاميا: ان ما ورد في هذا الفيديو ليس مجرد اساءة شخصية لشرطي المرور، إنما هو اعتداء على هيبة الدولة وكرامة القانون، وتحريض على النعرات المذهبية بما يهدد السلم الاهلي. ارجو من مقامهما الكريم اتخاذ القرار العاجل بتحريك الدعوى العامة واتخاذ الاجراءات القانونية الرادعة بحق هذه الفتاة، حماية لهيبة القانون، وصونا لكرامة عناصر الشرطة الذين يؤدون واجبهم، وضمانا لعدم تكرار مثل هذه الافعال التي تمزق النسيج الوطني.