هكذا جعلوا السكنَ الشبابيّ مجالاً للتندّر.. اعترافات مقاول تؤكّد مافيوية النظام المخلوع

تحقيق هلال عون
فكرة السكن الشبابي موجودة في الكثير من دول العالم لمساعدة الجيل الجديد بالحصول على مسكن لتسهيل عملية تأسيس أسرة، ويتم تنفيذ المساكن وتسليمها وفق مواعيد محددة، لكنْ عندنا أصبح موضوع السكن الشبابي، في عهد النظام المخلوع مجالا للتندّر، حيث قاربت مدة انتظار المكتتبين ربع قرن دون نتيجة.
أما لماذا حصل ذلك، فيمكن لمن يريد المعرفة متابعة هذه الوقائع بعد عرض حالة فساد اعترف بها مقاول:
الكهرباء بلا أسلاك!
بدأ التسجيل على السكن الشبابي عام 2002، ثم أعيد فتح باب الاكتتاب عام 2004، و تم تحديد مواعيد لتسليم الشقق السكنية للمكتتبين في كل المحافظات.
كان يُفترض تسليم آخر مسكن للمكتتبين عام 2016، لكنّ الوعد لم يتحقق، بل في بعض المحافظات لم يتم حفر أساس لعمود واحد حتى الآن، كما هو الحال في حلب، والسبب هو الفساد الإداري والمالي.
لنبدأ بحالات الفساد مع الشقق التي تم تسليمها للمكتتبين.
و سأطرح مثالا على ذلك يتعلق بتمديدات الكهرباء في الشقق التي تم تسليمها قبل بداية الثورة.
اعترافات مقاول
سألتُ أحد أكبر المقاولين، وكان قد بنى آلاف الشقق الشبابية: هل يُعقل أن تُسلّم الشقق للمواطنين المخصَّصين على أن تمديدات الكهرباء فيها جاهزة، وحين يسكنها المواطن المسكين يُفاجأ بأن التيار الكهربائي لا يصل أبدا إلى شقته، وحين يستدعي خبيرا كهربائيا لفحص العطل يكتشف - بعد أن يفك التابلو أو الإبريز - أن التمديدات الكهربائية دون أسلاك في جدران وأرضيات الشقق، رغم أن العقد يتضمن تمديد الكهرباء بشكل تام؟!
ردّ المقاول عليّ قائلا: إذا قمنا بتمديد الأسلاك الكهربائية في الأرضيات والجدران فإننا لن نحقق الربح المطلوب!
من أمِنَ العقوبة أساء الأدب
وحين سألته كيف كانت توقّع اللجان المسؤولة عن استلام الشقق السكنية على محاضر الاستلام المخالفة؟!
قال: كنا نتفق مع المؤسسة والوزارة على أسماء مهندسي لجنة الاستلام الذين يوقعون دون أن يذهبوا إلى أرض المشروع وندفع لهم مبلغا من المال!
سرقة أموال المكتتبين
ما سبق ذكره يُعتبر نصفَ مصيبة قياسا بالجريمة التي كانت سترتكبها المؤسسة العامة للإسكان ووزارة الإسكان والحكومة السابقة برئاسة السيد حسين عرنوس ضد أكثر من عشرة آلاف من المكتتبين حيث قاموا بإغلاق أرقام حوالي عشرة آلاف مكتتب، ومنعوهم من تسديد أقساطهم الشهرية!
الحكاية باختصار تقول أن وزارة الإسكان كانت تنوي إلغاء اكتتاب أكثر من عشرة آلاف مكتتب بطريقة مخالفة للقانون.
وحين استطعتُ بالتعاون مع قانونيين كشف المخالفة الفاضحة و جعلها قضيةَ رأي عام عبر النشر اليومي على مواقع التواصل، بمشاركة مئات المتضررين على صفحاتهم لمدة تزيد على ثلاثة أشهر اضطرت حكومة النظام المخلوع للتراجع عن قرار الإلغاء، لكنها أصدرت قرارا غير قانوني و غير دستوري بالإبقاء على اكتتاب المكتتبين مقابل تدفيعهم مبالغ مالية تتراوح بين مليون و 300 الف ليرة وبين أحد عشر مليونا!
هذا القرار غير القانوني تم بالتواطؤ بين وزارة الإسكان و بين مجلس قضايا الدولة الذي أفتى لهم بجواز قبض تلك المبالغ، وبناء على ما سبق دفع عدد كبير من المكتتبين تلك (الأتاوات)، بينما تمّ إلغاء اكتتاب من لم يستطع الدفع!
لم أطّلع على الفتوى!
حين سألتُ مديرة المؤسسة العامة للإسكان - بداية الشهر الرابع من العام الماضي - عن نص فتوى مجلس الدولة لمعرفة المستند القانوني الذي بررت به فرض تلك المبالغ على المكتتبين، قالت لي أنها لم تطّلع على الفتوى، وأن جميع الخطوات كانت تتم بالمراسلة بين الوزارة ورئاسة مجلس الوزراء!
المفاجأة الصادمة
في بداية العام 2024 فوجئ أكثر من 10 آلاف من المكتتبين على السكن الشبابي والعمالي بإغلاق اكتتابهم و بعدم السماح لهم بدفع أقساطهم الشهرية للمؤسسة العامة للإسكان، تمهيداً لإلغاء الاكتتاب نهائياً، وبالتالي قتل حلم جميل ينتظرونه منذ حوالي ربع قرن.
حجج كاذبة
كانت حجة الوزارة والمؤسسة أنه سيتم إلغاء اكتتاب المكتتبين لأنهم تأخروا عن دفع الأقساط المترتبة عليهم مدة ثمانية أشهر متصلة فأكثر بين العام 2015 والعام 2023.
الحقيقة أن تلك الحجة كاذبة ومفضوحة، لأن المكتتبين على السكن الشبابي قبل تاريخ صدور المرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2015 - يخضعون - في حال التأخر عن تسديد الأقساط لأحكام المادة 6 من نظام العمليات الصادر بقرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 1940 تاريخ 6\4\2002، والتي نصت على ما يلي:
"...في حال تجاوز مجموع ايام التأخير مائة وثمانين يوما متصلة أو منفصلة يفقد حقه في تسلسل الأفضلية ويحتفظ بحقه في الحصول على مسكن وفق تسلسل خاص بالمتأخرين".
داسوا على قراراتهم
إضافة إلى ماسبق، يجب معرفة أن المؤسسة العامة للإسكان كانت قد أصدرتْ عددا من الإعلانات خلال السنوات بين 2015 و 2023 تضمنت إعفاء من العقوبات والغرامات لمن يدفع ما يترتب عليه من أقساط خلال مهل محددة،
ومن تلك الإعلانات:
- الإعلان رقم 2047 / ك تاريخ 20 /2 /2017.
- الإعلان رقم 17105 / ك تاريخ 13 / 11 / 2017.
- الإعلان رقم 14656 / 6 تاريخ 23 / 10 / 2022.
- الإعلان رقم 4234 / 6 تاريخ 12 / 4 / 2023.
وكل تلك الإعلانات تضمّنت منح مُهل للمكتتبين أو المخصَّصين المتأخرين لتسديد الالتزامات المالية المترتبة عليهم.
ومع ذلك داسوا على كل تلك الإعلانات والقرارات!
ظلم فاضح
كانت إحدى المفارقات المحزنة أن المؤسسة العامة للإسكان قد قررت إعادة المبالغ التي دفعها المكتتبون منذ العام 2004 حتى نهاية العام بداية العام 2024 بعد حسم نفقات إدارية منها بقيمة 20 %.
يذكر أن الدفعة الأولى التي دفعها المكتتبون على السكن الشبابي عام 2004، وهي ستون ألف ليرة، كانت تعادل قيمة حوالي 110 غرامات ذهب عيار 21 قيراطاً، أي ما يزيد على القيمة الشرائية لمبلغ 110 ملايين ليرة بحسب الأسعار في عام 2024.
ومع ذلك فإن الدفعة الأولى (60 الف) ستعاد بعد حسم 20% نفقات إدارية، أي ستتم إعادة مبلغ 48 الف ليرة منها فقط ( ثمن نصف فروج حينذاك)!
المكتتبون متفائلون بالعهد الجديد
يأمل آلاف المكتتبين خيرا مع قدوم العهد الجديد، و قد تواصل عدد منهم مع "الثورة" أرسلوا صورا عن كتاب عبّروا فيه عن ثقتهم بعدالة هذا العهد و بأنه سينصفهم، وسيرفع عنهم الظلم.

وقد زوّدونا بكتاب موقّع من عدد منهم، رفعوه لوزير الإسكان الجديد للنظر في وضعهم، و قد أوجزت مضمونه ضمن هذا التحقيق.

الثورة