معمل اسمنت طرطوس نموذج صارخ عن التلوث.. والأهالي يتساءلون هل سيتوقف؟

رنا الحمدان- فينكس

في أيام الاحتفال باليوم الوطني للبيئة والذي أطلقته وزارة الإدارة المحلية والبيئة تحت شعار "معاً لمواجهة تغير المناخ ".. يستذكر أهالي طرطوس وخصيصاً أهالي قرية حصين البحر مطالباتهم المتكررة، والتي فاقت عشرات الكتب والمراسلات لإيقاف معمل الاسمنت الذي ملأ حياتهم وبيوتهم ومزروعاتهم بالسموم والغبار الأبيض، منذ ثمانينات القرن الماضي! وتسبب بالعديد من الإصابات السرطانية في منطقتهم على اعتبار أن التلوث البيئي يعتبر من أسباب الإصابة بالسرطان، لافتين أن مطالبهم طويت جميعها، والمعمل استمر بالعمل رغم انتهاء عمره الزمني منذ سنوات، على الرغم من ضرره الكبير على البيئة والبشر.
ومع تأكيد العديد من المختصين على أن عمليات الصيانة من تبديل فلاتر ومرشحات للمداخن لم تعد مجدية حتى، وغاز ثاني أوكسيد الكربون، وأكاسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين وغاز أحادي أوكسيد الكربون، وجزيئات الملوثات الصلبة ومن أخطرها الرصاص والصوديوم والكادميوم لا زالت تنبعث وتحدث أثراً تراكمياً خطيراً وتتسبب بطفرات في الحمض النووي للنباتات تؤدي بدورها للأمراض السرطانية..دخان معمل اسمنت طرطوس كما يبدو من حصين البحر
كما تؤكد على ذلك إحدى الدراسات التي قدمها عدد من طلاب جامعة تشرين في عام ٢٠١٩ (جرجس مخول- ميرنا عشي- محمد الشحنة ومارييل خوري)، والتي هدفت إلى تقييم التلوث الناتج عن غبار معمل الاسمنت من بعض العناصر الثقيلة (Fe،Zn، Mn، Cu، Pb، Ni) في أوراق صنف الزيتون “الخضيري” على اعتبار أنه النوع النباتي السائد في تلك المنطقة، حيث بينت دراسة عينات الأوراق باستخدام جهاز الامتصاص الذري في مخابر كلية الزراعة والتي أُخذت من الجهتين (الشرقية والشمالية) للمعمل وعلى مسافات مختلفة منه(200م، 2كم، 6كم)، بأن التراكيز الأعظمية لبعض هذه العناصر (الحديد، الرصاص، المغنيز والزنك) وجدت في المواقع المحيطة بالمعمل من الاتجاهات الأربعة والتي تبعد عنه حوالي 200م.
كما أظهرت الدراسة بأن الجهة الشرقية للمعمل هي الأكثر عرضة للتلوث من حيث محتوى أوراقها من بعض العناصر الثقيلة (الحديد، الرصاص، النيكل)، كما تبين وجود عنصري الرصاص والنيكل في أوراق الصنف المدروس بكميات عالية نسبياً، حيث يعود المحتوى العالي للمعدنين السابقين في معظم المواقع المدروسة إلى ما يحمله الهواء من جزيئات المعادن الثقيلة الناتجة عن عملية تصنيع الاسمنت بمراحلها المختلفة.
إذاً، وبعد كل ماقيل: ألم يحن لمدينة طرطوس الساحلية الزراعية السياحية أن ترتاح من العبء الذي تحملته منذ أكثر من ٤٠ عاماً؟!
ومع المطالبات والمقترحات التي أكد عليها مجلس محافظة طرطوس في دورته السابقة لتحويل الموقع لضاحية سكنية ذكية، هل يمكن أن نشهد قراراً جريئاً من الحكومة يعادل قرار الاحتفال الوطني بالبيئة والشعار المرفق به؟!
نشير أخيراً، أن قرار إحداث المعمل يرجع إلى عام ١٩٧٧، فيما اختير الموقع ليكون قريباً من البحر، وليسهل إيصال المواد الأولية إلى المعمل بالإضافة إلى سهولة نقل المنتجات منه أيضاً. وتصل مساحة المعمل إلى مليونين و٩٤٩ ألف م٢ شمال طرطوس، مع وجود مساكن وظيفية قديمة تابعة له أيضاً.