بالتأكيد ليست مقدمات "يالطا" جديدة!

أحمد حسن- فينكس:

بالطبع لم يكن اللقاء الأمريكي الروسي في جنيف منذ أيام معدودة مقدّمة أولى لـ"يالطا" جديدة، وبالتأكيد لن يكون مجلس (روسيا –الناتو) اليوم خطوة ثانية في سبيلها، لا العوامل الذاتية التي دفعت باتجاه يالطا الأصلية هي ذاتها، ولا العوامل الموضوعية الجديدة تسمح بذلك.
العالم ليس خارجاً من حرب مدمّرة بقدر ما يبدو في طريقه إليها. روسيا ليست الاتحاد السوفياتي السابق ولا تملك حلفاً متيناً بمستوى حلف "وارسو"، والأهم من كل ذلك، وضعها الاقتصادي لا يمنحها القدرة على الذهاب حتى النهاية في مواجهة مفتوحة. بدورها لا تبدو الولايات المتحدة الأمريكية المنتصرة حينها في الحرب العالمية الثانية -ولاحقاً في الحرب الباردة- في موقعها السابق، إنها تعاني من الأمراض المعتادة لإمبراطورية عالمية تمر في لحظتها الموحشة. وبالتالي ليس بين البلدين- على الطاولة- خارطة العالم لاقتسامه أو، للدقة، التهامه كما حدث سابقاً.
بيد أن ذلك لا ينفي أهمية اللقاء بحد ذاته بين هذه الأطراف، وأنه قد يكون افتتاحية جيدة لعام جديد ولدول محدّدة، لكنه، أيضاً، سيكون بداية سيئة لدول أخرى متضررة منه بهذه الصورة أو تلك.
أوروبا مثلاً هي أكبر المتضررين، الصين متضرر ثان، وكبير أيضاً، الأولى تجد نفسها للمرة العاشرة، وربما أكثر، خارج الحسابات الحقيقية للحليف الأمريكي المفترض، ورغم اعتراضات زعمائها على محاولة إعادة "تشكيل النظام الأوروبي الجديد" بغيابهم، إلا أن "الفعل" لا يبدو في متناول أيديهم، وبالتالي يبدو انضمامهم اليوم للمحادثات في مجلس (روسيا –الناتو) شكليّاً أكثر منه جوهرياً، فالوقائع والأسس تُناقش وتُبنى في اللقاء الروسي الأمريكي المنفرد.
الثانية، أي بكين، تعرف بطبيعة السياسة الدولية، أن أي اتفاق روسي أمريكي سيكون على حسابها. "دق إسفين" بين موسكو وبكين هو، في الحقيقة، أهم أهداف واشنطن اليوم، خاصة بعد النتائج "المقلقة" لها بنتيجة القمة الافتراضية الأخيرة بين فلاديمير بوتين وشي جين بينغ.
أوكرانيا، بهذا المعنى، ورغم مركزيتها بالنسبة للروس وأهميتها الكبرى بالنسبة للناتو، تبدو مجرد تفصيل في سياق الصراع الأوسع، لكنه أيضاً أبعد من موسكو ذاتها، فإذا كانت واشنطن تريد قطعاً تحجيم روسيا و"تسويرها" بـ"أحباء" الناتو، إلا أنها أيضاً تحاول، بالضغط وبالحوار، استكشاف مدى إمكانية تحييد موسكو في صراعها مع بكين، بدورها تحاول روسيا، بوصفها دولة كبرى، "قضم" ما تستطيعه في مرحلة "حيرة" أمريكية واضحة، وفي هذا السياق هي ترغب في تثبيت خطوط حمر واضحة، مثل الحصول على تعهد مكتوب بحظر انضمام أوكرانيا إلى الناتو، فهذا، إن حصل، سيمكّنها لاحقاً، بتبعاته وارتداداته الجيوسياسية الهائلة، من التفكير، والعمل على، تفكيك منشآت "حلف الناتو" العسكرية في "حديقتها الخلفية".
هذا أمر يعيه الأمريكي جيداً، لذلك أعلنت ويندي شيرمان، مساعدة وزير الخارجية الأميركي، أن بلادها حازمة "في رفض المقترحات الأمنية التي تعتبر ببساطة غير مقبولة للولايات المتحدة. لن نسمح لأي طرف بإنهاء سياسة الباب المفتوح لحلف شمال الأطلسي"، هذا الرفض الحاد هو بالتحديد ما يجعل "موسكو لا ترى حتى الآن داعياً للتفاؤل" بحسب المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف.
بهذا المعنى يمكن القول إن ما يجري في هذه اللقاءات العالية المستوى يرقى إلى مستوى مواجهات "حربية" كاملة وإن كانت لا زالت في طورها الدبلوماسي، والخشية أن تحتاج أحياناً إلى بعض "البراهين" الميدانية، وهذا أمر لا يمكن، بحسب سيرغي ريباكوف "التقليل من أهميته" إذا لم تتوصل هذه الأطراف المتشابكة إلى حلّ ما.
ولأن لكل مواجهة، دبلوماسية أو عسكرية، رغم مأساويتها، بعض الطرائف المرافقة لها، فقد أبى بعض عرب أمريكا -وهم يجدون أنفسهم، كغيرهم من بقية خلق الله، خارج الحسابات- من أن يكونوا "ظرفاء" هذه المواجهة، فقد نبّه إعلامهم "الحرّ" واشنطن إلى أن لائحة المخاوف الروسية "تبدو لائحة أعذارٍ مفتعلة لابتزاز الغرب!". حسناً "جفت الأقلام وارتفعت الصحف"!!.