المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة

في سجلِّ الأمم رجالٌ إذا رحلوا بقيت آثارهم حيّةً في الضمائر، وإذا غابت أجسادهم ظلّت أرواحهم تنير دروب الأحرار. منهم من حمل السيف دفاعًا عن الوطن، ومنهم من حمل القلم والفكر والسياسة، وقليلون جمعوا بين هذه الخصال جميعًا. ومن أولئك الأفذاذ يبرز اسم المجاهد والسياسي العربي الكبير رشيد طليع، الذي وهب حياته لوحدة العرب وكرامة أوطانهم، فكان رجل دولةٍ شريفًا، وثائرًا صلبًا، وقائدًا آمن بأن الحرية لا تُنال إلا بالتضحية.
«غمّقوا الحفرة... غمّقوها... إي غمّقوها...» هكذا دوّى صوت المجاهدة المرحومة السيدة رضية سعيد بين أودية جبل الدروز الشامخة، بينما كان ثوار الثورة السورية الكبرى يتأهبون لدفن أحد أعظم رجالاتها، وعلى رأسهم القائد العام سلطان باشا الأطرش. استغرب الباشا كلماتها وقال مستنكرًا: «عيب يا حرمة... شو هالحكي؟ أتعلمين لمن نحفر هذا القبر؟ إنه قبر المجاهد رشيد طليع.»
فأجابته بثبات: «أعرف، ولذلك أرجوكم أن تنفذوا طلبي.»
وحين سألها الحاضرون عن سبب إصرارها قالت: «ادفنوا رشيد طليع واقفًا، ولا تُبطحوه على الأرض، حتى تبقى الثورة واقفة.»
عندها أدرك الجميع أن المرأة لم تكن تتحدث عن هيئة الدفن، بل عن معنى الثورة، وأنها أرادت أن يبقى نهج رشيد طليع قائمًا لا يسقط، حتى وإن غاب صاحبه.
كان المجاهد المرحوم رشيد طليع، المعروف باسمه الحركي «المقداد»، من كبار رجالات النهضة العربية. وُلد في بلدة جديدة الشوف في لبنان سنة 1876م، وتلقى علومه الأولى فيها، ثم أوفد إلى الأستانة، حيث درس في معهد الإدارة والمالية، وتخرج عام 1900م.
عاد بعدها إلى بيروت، وعُيّن موظفًا في الإدارة العثمانية، ثم تقلد مناصب إدارية عديدة، فكان قائمقامًا في بعلبك سنة 1903م، ثم في الزبداني سنة 1904م، وانتقل بعد ذلك إلى راشيا وحاصبيا، ثم إلى عريقة والمسمية، قبل أن يُعيَّن متصرفًا على حوران عام 1911م، ثم متصرفًا على طرابلس الشام سنة 1913م، وأخيرًا قائمقامًا على اللاذقية سنة 1916م.
ومع انهيار الدولة العثمانية عاد إلى لبنان، ثم اختاره الأمير فيصل عام 1918م وزيرًا للداخلية في حكومة الركابي، ليبدأ مرحلة جديدة من العمل الوطني والقومي.
وفي عام 1920م عُيّن حاكمًا على حلب في مرحلة عصيبة كانت تعصف بها الأطماع التركية والفرنسية، فكان وجوده سندًا قويًا للثوار، وأسهم في دعم ثورة الشيخ صالح العلي وثورة إبراهيم هنانو، فمدّهما بالمال والسلاح وكل ما استطاع إليه سبيلًا.
ثم أوكل إليه الأمير عبد الله مهمة تشكيل أول حكومة في إمارة شرق الأردن، غير أن موقفه الصلب في مقاومة الاحتلال البريطاني جعله يصطدم بالسلطات، فاضطر إلى الاستقالة.
انتقل بعد ذلك إلى القدس، وأسّس جمعية مساعدة الأحرار، غير أن مضايقات سلطات الاحتلال البريطاني أجبرته على مغادرة فلسطين إلى مصر، حيث اجتمع بكوكبة من رجال الفكر والقومية العربية، وفي مقدمتهم الأمير عادل أرسلان والعقيد فؤاد سليم. ومن القاهرة بدأت الاتصالات السرية بينهم وبين القائد سلطان باشا الأطرش، لوضع الخطط والإعداد لانطلاق الثورة السورية الكبرى، وما إن اندلعت عام 1925م حتى التحقوا جميعًا بصفوفها.
شارك رشيد طليع في عدد كبير من المعارك، وكان آخرها معركة الشبكي، حيث قاد ميمنة الثوار على الجبهة الغربية، بينما قاد سلطان باشا الأطرش الميسرة، وتولى المجاهد محمد عز الدين قيادة القوة القادمة من الشمال، فشنّوا هجومًا مشتركًا على قوات الجنرال الفرنسي أندريا.
وفي تلك المعركة البطولية أسقط الثوار طائرةً حربيةً فرنسية، واستمرت المعركة نحو ست ساعات، قبل أن ينسحب الجيش الفرنسي مهزومًا عبر قرى شعف والحريسة وصولًا إلى الهويا.
أصيب رشيد طليع بجراح بليغة في ذلك القتال، وظل يتلقى العلاج عدة أشهر، ثم ألمّ به مرض معوي شديد، ففاضت روحه الطاهرة في قرية الشبكي أواخر شهر أيلول سنة 1926م.
ونعاه القائد العام للثورة سلطان باشا الأطرش بكلمات خالدة قال فيها:
«لقد فقدنا بوفاته ركنًا من أركان الثورة، ورجلًا من خيرة رجال العرب الأفاضل.»
وظل الوفاء لهذا القائد حاضرًا في قلوب أبناء الجبل، حتى أعيد فتح ضريحه عام 2003م، حيث ظهرت رفاته محفوظةً على نحو لافت، ثم نُقلت لتُوارى الثرى داخل نصب تذكاري شُيّد على نفقة أهالي بلدة الشبكي، الذين أقاموا له احتفالًا رسميًا وشعبيًا مهيبًا، وفاءً لرجلٍ عاش شامخًا، ورحل شامخًا، وبقي اسمه منقوشًا في ذاكرة الوطن.
خاتمة
لقد كان رشيد طليع مدرسةً في القيادة، ونموذجًا للمجاهد الذي جمع بين الحكمة والإقدام، وبين الفكر والعمل، فلم تغره المناصب، ولم تُثنه المحن عن مواصلة طريق النضال. آمن بأن حرية الأوطان لا تُشترى، وأن وحدة الأمة هي السبيل إلى عزتها، فوهب عمره لهذا المبدأ حتى لقي ربَّه ثابتًا على عهده.
رحم الله المجاهد والسياسي الكبير رشيد طليع، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وجعل سيرته العطرة نبراسًا للأجيال، تُلهمهم معاني الشجاعة والإخلاص والوفاء، وتُذكّرهم بأن الرجال العظام يرحلون بأجسادهم، لكن مواقفهم الخالدة تبقى حيّةً في ضمير التاريخ إلى الأبد.
سعيد نبواني
مدير جمعية بيت التراث الدرزي - جولس
2 تموز 2026