البطريرك ابن العبري.. ماذا تعرف عنه؟

جمانه طه

لمن يرغب من الأصدقاء التعرف أكثر إلى البطريرك ابن العبري الذي شعرت وأنا أقرأ و أكتب عنه بكثير من المودة والإعجاب لسعة أفقه دينيا وإنسانيا ولمحبته للغة العربية والترجمة عنها إلى السريانية. ابن العبري 1226-1286م
من اليعاقبة السريان، ويُعدّ فارس الكتابة السريانية وأشهر علمائها. ولد باسم أبو الفرج جمال الدين في مدينة ملطية بولاية ديار بكر في العام 1226م، ونال في العماد اسم يوحنا واسم مار غريغوريوس يوم رُسم أسقفًا لجوباس سنة 1246م إلى أن وصل إلى مرتبة المفران "المعلم" ومن ثم البطريرك. اتُهم بأنه متحدر من أصل يهودي وتَنصّرَ، ومن هنا جاءت تسميته بابن العبري. لكنه دحض هذه التهمة بقوله: "إذا كان سيدنا المسيح سمّى نفسه سامريًا فلا تخجلنَّ إذا دعوك ابن العبري، فإن هذه التسمية صادرة عن عبور نهر الفرات لا عن عقيدة معيبة ولا عن لغة". "ابن العبري، ديوان شعر،1929، ص71 ".
وتوثيقًا لتحدره من أسرة مسيحية حفر بالسريانية في أعلى عصا الرعاية التي يمسك بها الأسقف عادة، بيتًا من الشعر يناجي ربه: "اللهم أيها القوي إن حبك جذبني لأقدم لك الذبائح التامة. فلا تهملني لئلا يُزدرى بي، ضمني إلى جوقة كهنتك فأنتظم في صفهم، وأنجو بوساطتك يا رب من إبليس المارد". "نفسه" فاز ابن العبري بما يمتاز به من عبقرية ونبوغ بإعجاب المهتمين بالدراسات السريانية من شرقيين ومستشرقين لكونه ضليعًا بعلوم الكتاب المقدس واللاهوت والمنطق والفلسفة والفلك والتاريخ والبيان والنحو والشعر، إلى جانب الطب الذي "لقنه أبوه هارون بن توما الملطي الطبيب المبادئ الأولية للطب ليتابع التعلم على أمهر أطباء زمانه". "برصوم، اللؤلؤ المنثور، ص 95، 1943". أتقن اللغات السريانية والعربية واليونانية وألمَّ بالفارسية والأرمنية، وتابع في مدينة طرابلس "اللبنانية حاليًا" دراسة الطب والبيان والمنطق على عالم من علماء النساطرة اسمه يعقوب". "د. كامل، د. البكري، د. رشدي، تاريخ الأدب السرياني،1987". ألّف ستة وثلاثين كتابًا معظمها بالسريانية وعددًا منها بالعربية، كما ترجم من العربية إلى السريانية وبالعكس اهتم باللغة بالسريانية وخَصّ نحوها وصرفها وبيانها وبديعها بدراسة معمقة في كتاب كبير بعنوان "الأشعة في النحو"، وكتب بها جميع أشعاره. يمتاز ابن العبري بمزجه الفكر العربي الصوفي بالفكر السرياني النسكي، وتأثر بفكر العلامة أبو حامد الغزالي"1058-1111م" فجاء كتابه "الحمامة" على غرار كتاب "إحياء علوم الدين". فبين الكتابين علاقة واضحة من حيث فلسفة التصوف، وتنظيم الحياة الأدبية والروحية للإنسان.
ترجم في الفلسفة من العربية إلى السريانية كتاب "الإشارات والتنبيهات" للشيخ الرئيس ابن سينا، وترجم له قسمًا من كتاب "القانون". تناول فلسفة أرسطو، متتبعًا في ذلك خطا ابن سينا، وغيره من الفلاسفة العرب. وكتب باللغة العربية "تاريخ مختصر الدول" وله في علم النفس رسالتان مختصرة ومطولة. ومن أهم كتبه "تقدم العقل" عن الفلك والكون. هذا غير العديد من الكتب في اللاهوت والنحو وتاريخ الكنيسة وتفسير الأحلام وبعض الهزليات بالسريانية والعربية وقصائد شعرية في مواضيع مختلفة، ويُعدّ مؤلفه عن "تاريخ السريان والتاريخ الكنسي" في طليعة مؤلفاته". "برصوم، اللؤلؤ المنثور،1961، ص360 ". ومن حيث تنوع كتاباته يمكن مقارنته بمعاصره الأوروبي "ألبرت الكبير"، وإن تفوق عليه في مجالات اللاهوت والفلسفة والطب والعلوم الدنيوية. كتب القصص والشعر والنثر، وامتاز شعره بالعذوبة والسهولة، في حين كان يغلب على قصائد غيره النظم والصنعة.
عاش ابن العبري حياة حافلة بالترحال والمهام والإنجازات والأحداث السياسية، ويُعد الأول في رعيله من شعراء السريانية لما في شعره من سلاسة وبلاغة في التعبير، وهذا أهّلَهُ ليكون شاعر فلاسفة السريان، وفيلسوف شعرائهم. يقول عن الإبداع: "إن من يريد أن يكتب أسرار الروح، ولا يلهمه الروح فهو صنج يرن. أما من يتعلم أسرار الروح من الروح نفسه ويسجل وما يملى عليه، ينيل سامعيه عذوبة". "فغالي، فيوض في الفكر المشرقي، موقع نسور السريان". تطرق في شعره إلى موضوعات متعددة: "المحبة والإخوانيات، الرثاء، المديح، الهجاء، جمال الطبيعة، الأخلاق، النفس، الفلسفة، التصوف، العقائد". "المطران إبراهيم، سلسلة دراسات سريانية 17، حلب، ص52". تغنى ابن العبري بالطبيعة ومفرداتها المختلفة، وبذلك فتح بابًا جديدًا في الشعر السرياني لم يفتحه قبله من المتقدمين، فأبدع وسحر. من أجمل أشعاره في هذا الباب قصيدة في وصف الورد ونيسان، بلغ فيها غاية الإبداع يقول فيها:
ها قد حلّ نيسان وفرّج عن المكروبين وعزّاهم، وألبس الجبل والسهل زهوًا بالأزاهير، لقد دعا الزهور إلى عرس الورد فتجمعت: كيما يخرج العريس من خدره بطريق مهيأة. إذ تحررت من عقال برد الشتاء، وانطلق العندليب يصدح مغردًا دون انقطاع: مناجيًا الورد على منابر النرجس والآس". "ابن العبري، ديوان شعر، 1929، ص36 ". ومن الجزئيات المتوافرة في الحياة يختار الشمعة في مناجاة ولا أجمل، فيقول: أيتها الشمعة ما هذا الشحوب/ ما دهاك الآن هل عَسَفَ الغروب ليس منك الرأسُ نارًا وحده/ مثله قلبي على النار يذوب
شمعتي ما لي أرى في ذا المساء/ بسمةَ الثغر وفي العين البكاء تمتمت: من حضن الشهد حبيبي أبعدوا/ وبرأسي أشعلوا نار الشقاءْ". "بهنام، سلسلة دراسات سريانية 17، ص67".
أما قصيدته الأكثر شهرة في الأدب السرياني والأهم في رأي الدارسين فهي "الحكمة الإلهية أو الملحمة الحمراء" التي تقع في 160 بيتًا اقتدى فيها بالشاعر المتصوف ابن الفارض 1181-1235م، وتغزل فيها بالكمالات الإلهية مشبهًا الحكمة بفتاة جميلة المنظر سامية الخصال. ترجم القصيدة إلى العربية نظمًا المطران السرياني بولس بهنام "1916-1969"م وعدَّ إنجازه هذه الترجمة إكليلًا في رأس مؤلفاته، وفي بنيان مشاريعه الفكرية. من هذه الملحمة، نقرأ المقاطع التالية:
خطرتْ والشمس في رَأْدِ الضحى/ تتوارى خجلًا من طهرها غادة والحسن في أجفانها/ وبهاء المجد في منظرها
كاعبٌ، أمٌّ، عجوزٌ، طفلةٌ/ حيرت كل الورى في أمرها
كم رجال قد أصابوا وصلها/ لم ينلها واحد في سرها
***
في محياها عفاف طاهر/ واضطرام وعلالات الجَوَى
وبها شوق إلى الوصل كما/ أنها تأبى خضوعًا للهوى
وهي تغري بعيونٍ كالتي/ قلبها بالحب والشوق اكتوى
ترفع الرأس على أحبابها/ وحياء فوق خديها استوى
***
هي تغري ثم تجفو أنفًا/ ندبة تدني وتُمْنِي بالنَّوى
عذبة والسحر في ألفاظها/ ومرار في مجاليها ثوى
تعشق الصمت وتهوى عزلة/ وضجيج منها في الجو دوى
حلوة النجوى وذي ألحاظها/ كل سهم فاتك فيها انطوى
***
في محياها ضياء ساطع/ ورسوم من شعاعات النهار
وعلى كتفيها ليل دامس/ راكعًا يجثو يمينًا ويسار
بين جفنيها شموس شعشعت/ وبدور ورياح وبحار
وقوى الكون على أقدامها/ سجدت تبدي خشوعًا ووقار
***
فوق خديها بروق أومضت/ والتماع فيه آثار القبل
ولهيب اللثم أبدى هوله/ برعود وانفجار في القلل
وعلى صدرها رمان غفا/ لؤلؤًا عذبًا تناهى واكتمل
وبدا التفاح في وجنتيها/ مثل مصباح لأنوار الأمل".
"برصوم، اللؤلؤ المنثور، 1956، ص 70-71".
في باب الرثاء، نقرأ ما قاله في رثاء صديقه ورفيقه في الدراسة الطبية والفلسفية البطريرك إغناطيوس صليبا: خيم الظلام على العالم بانتقالك منه يا حبيبي قل لي متى يكون موعد ظهورك لأجعل بك بناظري جسرًا "فأراك" كما من وراء النوافذ وك أعضاء للجسد أعدّ لك وجهي طريقًا. لِمَ إلى درجة كهذه يا ملاك الموت! وبدون رحمة أصبتني بهذا الشر أخذت شمس الزمان المنير سند البيعة ورأس النفس ونفس الروح، والروح المستقيمة". "بهنام، سلسلة دراسات سريانية 17، ص57".
منذ القدم ابتعد الشعراء السريان عن هجاء الناس، وكل ما تركوه في هذا المجال هو نوع من تقريع أصحاب البدع ولوم الجانحين إلى الضلال. أما ابن العبري فقد تناول بالذم بعض الجهال والمدعين وأغلظ لهم بالقول، لكنه لم يستفض في شعره في هذا الباب. في قصيدة له يهجو بطريركًا مات اغتيالًا، وكان في نظره مسيئًا للرتبة والموقع: هو ذا من قتل في الدير ألف شخص وفيلًا لَطّخ ثوبه في قدس الأقداس بدمه إنَّ مَنْ سلب الكنيسة قناديلها وكؤوسها وصوانيها يستغيث ك فيلٍ.. وهو يُقطّع في قدس الأقداس إربًا إربًا". "برصوم، مرجع سابق، 1956، ص320"
وفي ذم سفيه، يقول: "إذا كان الكلب لا يضر أحدًا بنباحه فدعه ينبح إلى أبد الآبدين، لأنه لا يرى السارية التي في عينيه بل يرى دائمًا القذى في عين أخيه."نفسه"
يقول مار بولس بهنام في كتابه عن مار ابن العبري، وفي باب المحبة والإخوانيات: "لا نرى شاعرًا من شعرائنا الأقدمين تصدى لهذا الفن الجميل من الشعر حتى جاء شاعرنا الفيلسوف فاتبع به طريقة مثلى وأعاره أهمية كبرى، فجاءت قصائده بهذا الفن تذوب رقة وعذوبة". "بهنام، سلسلة دراسات سريانية 17، 57". في مطلع ديوانه نقرأ له أبياتًا عذبة يناجي بها الحب الطاهر بكلمات تتسامى حتى يبلغ قصيده أعلى الذرى: "أيها الحب الطاهر.. إنك أشد جمالًا من كل جميل، فما أسعد من نقشك على ألواح قلبه، قد أحبك الله، وأحب محبيك، فالويل ثم الويل للغبي الذي جفاك. أيها الحب الطاهر، إن شجرتك أجمل من جميع الأشجار وأنت أحلى من الشهد. إلى أن يقول: إن فتى عذريًا "يوحنا" أظهر لي جمالك أيها الحب الطاهر، ومن أصل الألوهية أينع ثمرك". "بهنام، مرجع سابق، ص59".
وعن الشعور بالارتياح بجانب الحبيب، يقول: "وإذا أكل الرجل الخرنوب مع حبيبه فذلك أطيب من جميع الأطايب وأحلى. وإذا كان مع حبيبه في ثقب إبرة، فذلك له أطيب من القصور الباذخة. فثقب الإبرة مع الحبيب أوسع من الوديان". "نفسه، ص47".
في قصائده عن النفس البشرية يهيب بها أن تتخلص من ربقة الجسد وتتمرد على نزواته ورغائبه الكثيرة، ويحرضها على أن تحطم هذا القفص وتتطلع إلى عالمها الأسمى. ثم يظهر لها جمال العلم والمعرفة والتفكير الصائب". "بهنام، مرجع سابق". أما مدائحه الشعرية فتناولت أعمال السيد المسيح والسيدة العذراء، وطبقات الشهداء والقديسين.
ظل ابن العبري على نشاطه في القراءة والكتابة وعلى تواصله بأبناء رعيته وبالمسيحيين من مختلف المذاهب وبأرباب العلم والثقافة من المسلمين، إلى أن أصابته حمى شديدة رفض مداواتها لأنه أدرك أن نهايته قد حانت. أراد أن يكتب وصيته لكنّ أصابعه خذلته، فاستعان بأحد تلاميذه وأملى عليه ما يريد بادئًا بالآية المقتبسة من سفر المزامير وجاءت في ديوانه: "الإنسان مثل العشب أيامه، وكزهر الحقل هكذا ينمو". ثم أوصى تلاميذه بمقولة لهم: "أحبوا يا أبنائي بعضكم بعضًا، فالمحبة رباط السلام".
.......
من خلال كتابات ابن العبري المتنوعة بين الفكر والدين والفلسفة والعلوم والمحبة والشعر، نلحظ تماهي نفسه الطاهرة وفكره العميق وإيمانه المنفتح على الجميع مع ذاته الإنسانية الشاملة، حتى يكاد لا يظهر فيها غير صوت الإنسان الذي هو صوت الله والحرية. وبناء على ما تقدم في هذه الدراسة ليس بدعًا أن نلحظ اهتمام المستشرقين بالدراسات السريانية وخاصة بإبداع ابن العبري الواسع الطيف أدبيًا وفلسفيًا وعلميًا ولاهوتيًا وتاريخيًا، ووصفهم له "بدائرة معارف القرن الثالث عشر".