الذهب العتيق.. فائد المفتي وعاصم الباشا
محمد صباح الحواصلي
ملامح لا تقبل النسيان
الملمح الأول
صراحةٌ لا تعرف المواربة، وصدقٌ مع النفس قبل الآخرين، ونفورٌ غريزيّ من النفاق والمجاملات.
حبٌّ للوطن يبلغ حدّ الغيرة عليه، ومقتٌ عميق للاستبداد، وإيمانٌ لا يتزعزع بضرورة الثورة على الأنظمة الفاسدة.
نقدٌ لاذع، صريح، تجلّى في خواطره ورسومه واقتباساته، موجَّه إلى النظام البائد، برأسيه حافظ وبشار، وإلى جوقة المطبّلين، وفي طليعتهم رجال الدين.
تلك هي ملامح الصديق فائد المفتي ومواقفه. وكأنّي أسمعه يقول، بوضوح لا يخطئه البصر، وجرأة تشبه شمس الظهيرة في رابعة النهار: «هذا أنا».
فائد المفتي صديقٌ ضاربٌ في القدم؛ تعود جذور صداقتنا إلى اللحظة التي تفتّحت فيها زهرة الصداقة في كياني. جلّ تلك الصداقة، وربما كلّها، يعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية الستّ، وإلى شيءٍ من المرحلة الإعدادية.
وكان مسرح شقاوتنا يمتدّ على طول جادة أبي ذرّ الغفاري، من الدحداح حتى الأزبكية، حيث كانت الطفولة تمشي على قدمين، وتضحك بلا حساب.
الملمح الثاني
في الصورة المتشققة التي نال منها الزمن في ذاكرتي، لم يبقَ من لعبنا سوى شذرات باهتة. أرى نفسي فيها زعيماً صغيراً في منطقة سكني (موقف المعرض)، تحيط بي عصابة من الصبية المطيعين، كانوا ـ في خيالي الطفولي ـ جنودي الأوفياء.
حاولت أن أستميل فائداً ليكون تحت جناحي، لكن محاولاتي باءت بالفشل؛ كان عصيّاً على الاحتواء، صلب الاستقلال، له ثقله في جادته (أبي ذرّ الغفاري)، ولم يكن ليقبل، فطرةً وكبرياء، أن يكون تابعاً لأحد.
الملمح الثالث
ثم جاءت الحياة، بمساراتها المتشعبة، ففرّقت بيننا لأكثر من أربعة عقود. وكان يمكن لهذا الانقطاع أن يمتدّ حتى نهاية العمر، لولا تلك الظاهرة العجيبة المسماة «فيسبوك»، التي أزاحت حُجب الماضي، وقرّبت شخوصه وأحداثه، على نحوٍ لم تعرفه الذاكرة الإنسانية من قبل.
في يومٍ مباغت، وصلتني من فائد رسالة باللغة الإنكليزية إلى بريدي على فيسبوك، بتاريخ 27 أيلول 2010. كانت أشبه بنداءٍ قادمٍ من زمنٍ سحيق. وهذه ترجمتها:
«مرحباً صباح،
لا أدري كيف ظهر وجهك على شاشتي، لكنها كانت مفاجأة سارة وغير متوقعة من فيسبوك. كان جميلاً أيضاً أن أرى وأتذكّر بعض الأصدقاء القدامى والوجوه المنسيّة: جودت (صلاحي)، وليد (رمضان)، أنيس (الترك)، هشام فتال، عاصم (الباشا)، ويوسف (؟).
تبدو، يا صاحبي، رائعاً بالنسبة لرجلٍ عجوز. حاولت البحث عن صفحة ماجد حواصلي ووليد رمضان، لكن دون جدوى. وكان مؤلماً جداً بالنسبة لي أن أعرف أنّ هشاماً قد استشهد في حرب 73.
دمتَ سالماً
فائد مفتي.»
الملمح الرابع
من حسنات فيسبوك أنّه لم يعِد إلينا معارفنا الغائبين عنّا لعقود فحسب، بل أعادهم محمّلين بسيرهم، كلٌّ يحمل كتابه المفتوح على سنوات الغياب.
كتابٌ ممتدّ الصفحات، يضمّ الخواطر والآراء، النشاطات والصور؛ نزهةً بصريةً ووجدانيةً للناظرين.
وحين عاد فائد، فتح لي كتابه دون تردّد، فقرأت منه شذراتٍ مقتضبة، تشي بصاحبه أكثر مما تقول، وتكشف ما لا يُكتب صراحة.
الملمح الخامس
ذكرتُ مرةً، في إحدى خواطري، أنّ فائداً فنانٌ تشكيلي.
فكتب لي على الخاص: «رجاءً، صباح… لا تربط اسمي بفنان تشكيلي».
سألته بدهشةٍ لا تخلو من احتجاج: لماذا؟
فأجاب، باقتضابٍ حاسم: «من دون ليه…».
ومنذ ذلك اليوم، واحتراماً لرغبته، نزعتُ هذه الصفة عن اسمه كلما كتبت عنه. غير أنّ ذلك لا ينفي ـ ولن ينفي ـ كونه فناناً أصيلاً بالفطرة، مبدعاً بطبعه، وإن قلّ إنتاجه، كما تشهد أعماله التي طالعتها على صفحته.
لعلّ في طلبه هذا عتباً دفيناً على الفن التشكيلي. وإن كان حدسي صائباً، فقد صرنا اثنين في هذا العتب، يا صديقي.
فأنا أيضاً عاتبٌ على أبواب الصحافة في دمشق، تلك التي أُغلقت في وجهي خلال النصف الثاني من السبعينيات والثمانينيات، بينما فُتحت خارجها على مصاريعها.
ومن الشواهد المؤلمة أنّ قصةً رفضت جريدة «الثورة» نشرها، أرسلتها إلى مجلة «إبداع» الشهرية، التي كان يرأس تحريرها الناقد الدكتور عبد القادر قط، فنُشرت في عددها التالي بلا تردّد!
(يتبع)
(الصورة المرفقة أعلاه: فائد المفتي. تصميم الذكاء الاصطناعي)
******
إبداع وتفوق
هذه ليست سيرة، بل أثر. صورة بالكلمات لصديق قديم هو عاصم الباشا، كما اختزنته ذاكرتي منذ ستة وستين عاماً. فالذاكرة لا تستعيد الماضي كما كان، بل كما نجا منها: ملامح عامة، ومضات، وظلال تتحرك كلما ناديناه، وانطباعات تصمد أكثر مما تصمد التفاصيل. ناهيك عن عوامل الزمن التي تفعل فعلها في إضعاف الصور الذهنية في ذاكرتنا وتغيبها، وبهوت التفاصيل الدقيقة ومواضع الزمان والمكان.

ثمة فارق جوهري بين صورة الطفولة الفوتوغرافية، وصورة الطفولة في الذاكرة. الأولى تُظهر الهيئة والمكان والزمان كما كان، مما يجعل استدعاء تفاصيل وأحداث تلك الصور ممكناً. أما الثانية فهي مجرد موجات تراها تارة بعين عقلك وتارة أخرى بعين أحاسيسك فيما هي تتراوح بعداً واقتراباً، ولا تقدم لك إلا القليل من التفاصيل والأحداث، وهي بذلك تعيد ما بقي حياً في الذهن، وقد يكون قليلا، أو مشوشاً، أو ناقصاً. من هذا الباب أكتب هذه السطور.
*
عرفتُ عاصم الباشا طفلاً وانتهتْ صداقتنا بانتهاء طفولتنا الباكرة في المرحلة الإبتدائية، منذ كنا في الصف الثاني أو الثالث (1958 – 1959) وحتى نهايتها (1962). بعد ذلك انقطعتْ أخبارنا تماماً، كما حدث مع كثير من صداقات الطفولة التي تنتهي بانتهاء سنوات المدرسة الإبتدائية، وتفرّق الأحياء، وتبدل المسارات. ومع انقطاع فترة الطفولة التي وصفها رامبو "بالأبدية المسحورة"، "بمناخها الفردوسي"، وكما أعلن عنها أندريه بريتون: "هي التي تدنينا أكثر ما يكون من الحياة الحقيقية..... الطفولة التي يتضافر كل ما فيها على جعلنا نمتلك ذاتنا بفعالية وبدون مواربة."
*
بداية معرفتي بعاصم كانت على النحو التالي: في الصف الثاني أو الثالث في مدرسة الوليد، دخل حجرة الصف تلميذان جديدان، علمنا أن أسرتهما اليبرودية كانت مهاجرة إلى الأرجنتين، وقد عادت من المهجر إلى بلدها سوريا. التلميذ الكبير اسمه عاصم، وهو صبي وسيم، أزرق العينين، له لكنة خفيفة في عاميته الشامية اليبرودية تشير إلى سنوات الغياب. والتلميذ الثاني شقيقه عمر، وكان ضخم الجسم، جهوري الصوت، محباً لسرد الحكايا، مع حركة رشيقة تناقض بنيته.
وما أن انقضت فترة وجيزة على وجود عاصم بيننا حتى باغتنا دهشة وتقديراً مرتين.
الدهشة الأولى: تفوقه الأسطوري في دراسته؛ فقد كان الأول على صفه كل سنه، والأول على المدرسة في فحص السرتفيكا..
والدهشة الثانية: هي إبداعه الفني في الرسم. لم تكن رسومه رائعة متقنة فحسب، بل متقدمة على أقرانه الموهوبين في الصف والمدرسة. وقد ضمّتْ تلك المجموعة أسماءً واصلت طريقها لاحقاً في كلية الفنون الجميلة، وهم تحديداً: (الراحل مأمون الحمصي، والراحل مهيار ملوحي، والراحل هيثم الزيات، وفائد المفتي، وصباح الحواصلي) وجميعهم استمروا بممارسة الرسم وتخرجوا من كلية الفنون الجميلة، فيما اتجهتُ أنا إلى مسار آخر، تاركاً الرسم إلى الرسم بالكلمات.
*
ومن المواقف الدالة على اهتمامنا - أنا وعاصم- المبكر باللغة العربية والثقافة، محاولة طريفة جمعتنا ونحن في الصف الخامس. فقط التقينا في شرفة منزل والدي في شارع بغداد، وقررنا التحدث باللغة العربية الفصحى فقط، من دون تكلف. كانت وجوهنا تبتسم لطرافة الفكرة وإدراكنا بأننا لا نزال ندرج في مرحلة لا تؤهلنا على مثل هذه المحاولة. المهم أننا حاولنا، ونجحنا بإنشاء بعض الجمل، وأخفقنا بالكثير، وكنا نضحك مع نجاحنا ومع إخفاقنا، ولا نيأس، ونستمر، ونخطئ.. ونحطئ.. ونضحك إلى أن صرفنا أنفسنا عن الفكرة، أو لعلها هي التي أسرحتنا. كانت المحاولة محدودة النجاح، كثيرة الإخفاق، لكنها كشفت وعياً لغوياً مبكراً، وحباً حقيقياً للغة، ظل أثره في الذاكرة.
*
وفي مناسبة أخرى، أهداني عاصم رسماً لحصان بالقلم الفحم، بلغ من الإتقان حداً أدهش كل من رآه، ومنهم فنانة ألمانية من صديقات والدتي، أثنت على العمل وعدّته دليلاً واضحاً على موهبة حقيقية. وكنت حينها في طفولتي كلما نظرت إعجاباً إلى رسمة الحصان أعاني من عجزي العثور على كلمة واحدة تصف الرسمة. الكلمة التي وجدتها الآن: (المطلق!)
كان عاصم الرسام في طفولته كرامبو الشاعر "يتميز بكل صفات الطفولة: الطهارة، البراءة، السذاجة. وبكل مقومات النضوج الفني: البراعة، المهارة، العمق." وأجد في حصانه جوهر "الطفولة البريئة المدهوشة حيال الأشياء." و"فترة الطفولة المعبودة من العمر" (شطر من قصيدة طفولة -1- من "الإشراقات" لرامبو)
*
بانتهاء المرحلة الإبتدائية عام 1962، انتهت معظم صداقات تلك المرحلة، ومنها صداقتي مع عاصم. ولم نكن نعلم آنذاك أن الفراق سيكون طويلاً إلى هذا الحد. وعندما عاد التواصل بعد أربعة عقود، لم أجد عاصم الطفل الوديع الذي عرفته، بل وجدتُ شخصيةً مختلفة، وقد ترك الزمن على وجهه أخاديد لا يتركها إلا في وجوه من دفعوا ثمناً باهظاً للإبداع والتفرد.
هكذا بقي عاصم الباشا في الذاكرة: مثالاً مبكراً على التفوق، وموهبةٍ تشكَّلتْ باكراً، ثم مضتْ في مسارها الخاص، كما تمضي حياة المبدعين غالباً، خارج التوقعات البسيطة لسنوات الطفولة.