الآغا علي بدور وإعادة رسم السلطة الجبلية

سيمون خالد علي

شخصية علي بدور واحدة من اكثر الشخصيات التباسا في تاريخ الجبال الساحلية السورية في اواخر العهد العثماني وبدايات الانتداب الفرنسي. ويعود هذا الى كثافة حضوره المتناقض في الذاكرة المحلية، حيث يظهر في بعض السرديات بوصفه حاميا ومنظما للفوضى، وفي سرديات اخرى كرمز للمنع والاقصاء وصناعة العداوات المتوارثة. ويكشف هذا التباين بحد ذاته طبيعة المرحلة التاريخية التي نشط فيها، وهي مرحلة انهيار السلطة المركزية وظهور انماط محلية من الحكم غير الرسمي.
برز علي بدور كآغا جبلي يتمتع بسلطة زمنية فعلية، تستند الى القوة المسلحة، والتحالفات العشائرية، والسيطرة على الجغرافيا. وقد تركز نفوذه في صلنفة وريف اللاذقية الشمالي، حيث شكل جزءا من طبقة الاغوات التي ملأت الفراغ السيادي في الجبل، ومارست ادوارا شبه دولة في الجباية والحماية وضبط الطرق والممرات الحيوية.
مثل نموذجا تقليديا للزعامة الاقطاعية العسكرية، التي تعتمد على الولاء الشخصي، وعلى تشكيل ميليشيا محلية مرتبطة باسمه مباشرة. وقد استخدم طقوس الهيبة والاستعراض الميداني كادوات رمزية لترسيخ سلطته، وهو ما يظهر في الذاكرة الشعبية من خلال رمزية البوق، والحضور العسكري المنظم في القرى.
تزامن نفوذه مع تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، ابرزها الفقر البنيوي في الجبل العلوي، وتزايد الحاجة الى اليد العاملة الزراعية في السهل الساحلي. وفي هذا السياق، شهدت المنطقة انتقال عائلات علوية من مناطق جبلية مثل صلنفة والقرداحة الى السهل الشمالي للعمل في اراضي مملوكة لعائلات نافذة مثل بيت سعادة وهارون والصوفي. ورغم غياب وثائق رسمية تثبت دورا مباشرا لعلي بدور في تنظيم هذه التنقلات، الا ان موقعه كآغا محلي يجعل من المرجح انه لعب دور الوسيط الامني والاجتماعي في ادارتها وضبطها ضمن ميزان القوة القائم.
مع دخول القوات الفرنسية الى الساحل السوري، اختار مسارا براغماتيا قائما على التعاون مع سلطات الانتداب، على عكس زعامات اخرى تبنت خيار المقاومة المسلحة، مثل الشيخ صالح العلي. وقد استخدمه الفرنسيون كفاعل امني محلي لضبط الريف الجبلي، ونال في هذا السياق وسام جوقة الشرف عام 1920، في لحظة تزامنت مع اعلان دولة العلويين، وكان من مؤسسيها و من اصحاب القرار السياسي فيها.
هذا الخيار السياسي شكل نقطة الانقسام الاكبر في تقييم شخصيته. ففي حين رآه انصاره ضامنا للاستقرار وحاميا للقرى العلوية من تمدد مجموعات منافسة، رأت فيه مجتمعات اخرى، ولا سيما في الحفة والجنكيل وبابنا، رمزا للمنع والاقصاء واغلاق مسارات النفوذ التقليدية. وتشير الذاكرة المحلية في هذه المناطق الى صدامات عنيفة ارتبط اسمه بها، وخصوصا في ما يتعلق بمنع تمدد مجموعات من جهات البهلولية والغرب. ورغم ان كثيرا من هذه الروايات يبقى في نطاق التاريخ الشفوي، الا انها تعكس خسارة جغرافية ونفوذ حقيقية، وهو ما يفسر شدة الكراهية المتوارثة المرتبطة باسمه.
كما دخل علي بدور في صراعات نفوذ مع زعامات اخرى، ابرزها الصراع مع سلمان المرشد، الذي مثل نمطا مختلفا من القيادة، قائما على الكاريزما الدينية والحشد الشعبوي. ويعكس هذا الصراع تحولا بنيويا في بنية السلطة داخل الجبل، من الزعامة الاقطاعية المسلحة الى الحركة العقائدية المنظمة. وقد ادى تراجع نفوذ علي بدور وهزيمته العسكرية الى تفكك تحالفاته، وتشتت ميليشياته، وفتح المجال امام صعود المرشدية كقوة اجتماعية وسياسية جديدة.
تذكر الروايات وفاته بسكتة قلبية(معركة ترتياح قرب سلمى)، في سياق الانهيار النفسي والسياسي لزعامة فقدت قدرتها على الاستمرار في نظام نفوذ يتغير جذريا. وبوفاته انتهت زعامته كقوة منظمة، لكنها لم تنته كذاكرة، اذ بقي حضوره حيا في السرديات المحلية، سواء بوصفه حاميا او خصما.