إيّاك أن تنازع ثوراً على الشرب من نبع واحد.. قبس من سيرة

محسن سلامة
انتهى العام المدرسيّ ١٩٦٠م، وكان عليّ أن أذهب إلى القرية لرعي أبقار جدّتي، كان اسمها حلوة اسم على مسمّى، كنت أشتاق إلى حضنها الحنون، جدّي الشيخ يوسُف تنزل دمعته السخيّة مجرّد أن يراني رحمهما اللّه تعالى، استيقظت أوّل صباح لي في القرية على صوت جدّتي تخاصم جدّي لأشياء لم أبحث عنها، اختفى جدّي طوعاً بين الغابة في طريقه إلى القدموس ليشتري حاجيات دكان صغير، وقد اختفى الدكان في زاوية مظلمة خلف غرفة نومه،
أعطتني جدّتي الزوّادة بيضة مشويّة على الجمر وهبول تين يابس أشقر، فتحت الحظيرة الطابق السفليّ للبيت، وانطلقت الأبقار كأنّها تعشق الحريّة، تعرف الدروب إلى المراعي، فوجئت بالرجل المسنّ الشيخ محمّد قد سبقني، سُرَّ جدّاً لرؤيتي، فمنذ عام لم يرني، قبّلني بحرارة وشغف شديدين،
كعادته في الأعوام السابقة أن يحكي لي قصص الأقدمين كان معجزة المنطقة في رواية حكايا الأقدمين من الدهر الأوّل،
اختار شخصيّة يحبّها جدّاً سيف بن ذي يزن ملك من ملوك اليمن من قبيلة حِمْيَر، عاش قبل الإسلام، حرّر اليمن من الغزو الحبشيّ، كان يحكم اليمن من قصر غمدان في صنعاء،
كان صوت الشيخ محمّد فيه بخور التاريخ وأنفاس الرجال في الزمن القديم،
في الذروة من الأحداث وقف عن الكلام، لقد جاء وقت الصلاة، حبس أنفاسي وكياني، كدت أشعر أنّني من رجال سيف بن ذي يزن، نفخ الشيخ محمّد في خيالي، فكان الشعلة الأولى في حياتي لأكون مدرّس لغة عربيّة يوماً ما، كانت تلك النصف ساعة دهراً عندي، تذكّرت الزوّادة ولم أعرف كيف التهمت تلك البيضة بشغف شديد.
في اليوم الثاني لم يحضر الشيخ محمّد، كان نهاراً طويلاً جدّاً ثقيلاّ ممّلاً أمضيته بنصب الأفخاخ للعصافير، وعند الظهيرة بعد تناول التين الشهي الدسم، شعرت بالعطش الشديد توجّهت إلى النبع الوحيد في المكان، وجدت الثور الفتيّ القويّ البنية يعبّ فيه بعطش شديد، شعرت بالأنس في مشاركته الشرب وأنا راعيه الطيّب، انثنيتُ على ركبتيّ واعتمدتُ على يديّ بصخر النبع المحيط بالماء، ثوان كنت بين قرون الثور وبعدوانيّة أخذ ينطحني بكلّ ما أعطاه اللّه من غضب وقوّة كيف أشاركه الماء، يضرب بي بقرونه القويّة الحادّة صخر جدار النبع، لم يترك لي مجال للمقاومة ولا للفرار أنا بين مطرقة قرونه وبين الصخر الصلد، استسلمتُ لأقداري، وبدأت أسمع كيف عظامي تتحطّم وتتكسّر،
وبعد حين من الدهر،
كيف وقف وابتعد خطوتين عنّي، ينظر بتأمّل عجيب جثّتي الهامدة، قرأت بطفولتي وسذاجتي أنّ في وقفته هذه شيئاً من غريزة الحيوانات الأسى،
لأنّه تركني وأدار ظهره لي ومشى بهدوء شديد جدّاً،
حاولت القيام ولكن هيهات، فاعتمدت بعد دقائق طويلة التدحرج، وبعد ربع ساعة من الزمن جلستُ، وكانت فرحتي لا توصف كيف جلست، كانت عظامي تتوجّع بصمت، ورأسي يهدر من الألم الشديد، وعيناي لا ترى الشجر والحجر إلّا ضباباّ بضباب،
مرّت الساعات وأنا على هذه الحال لا يوجد في المكان أحد ابدأ ولم يمرّ أحد ابدأ،
ومع الغروب فتّشتُ عن تلك البيضة المشويّة، فإذا هي قطع قطع فالتهتما كيفما كانت، كانت محاولتي الأخيرة اليائسة الوقوف، وكأنّ ما أكلته أعطاني أكسير الحياة،
وبعد غياب الشمس صحت بقطيع البقر، فكانت تعرف أنّ هذه الصيحة إيذاناً بالعودة، فاصطفّت رتلاً واحداً باتّجاه القرية، كان الثور آخر القطيع ، في سيره البطيء شعرت أنّه تعبير عن غريزة ندم واعتذار.
لم أروِ القصّة لجدّتي ولا لأحد، نسيتُ تلك المعركة نهائيّاً مع ثور فتيّ قويّ الشكيمة لم يُخصَ بعد، وكأنّ صداقة قامت بيني و بينه في الأيّام القادمات.
تذكّرت قول المسنّين في القرية حكمة قالوها في مجالس السهر ليالي الشتاء الطوال:
إنّ عظام الصبيان أشبه بعظام الأرانب لدنة مرنة..
لنا ذكريات جديدة..

.