الحياة جدّ وعمل.. قبس من سيرة

محسن سلامة

انتهى العام المدرسيّ الصفّ السادس ١٩٥٩م، وقد اشترى أبي قطعة أرض صغيرة للبناء على بعد كيلومتر تقريباً من مدينة طرطوس جنوباً قرب بناء كبير جدّاً على الطريق الدوليّ طرابلس، حمص دمشق، اسم البناء الهنكار مكشوف من جميع جهاته، يُستخدَمُ منذ عشرات السنين لتعبيد الطرقات، فيه كلّ الموادّ التي تحتاجها الدولة لهذا الغرض براميل الزفت والقير..
في أقلّ من أسبوع بنى والدي غرفة واحدة بألف ورقة سوريّة فقط، وبذلك تكون العائلة قد تخلّصت من تلك الغرفة المُستأجَرة ضمن ذلك المجمّع الكبير الأقرب إلى ثكنة بشريّة في حيّ الرمل،
كأنّ أرواحنا خرجت من سجنها الأرضيّ، لتعود إلى الحريّة أجواء الريف لكنّه الريف الساحليّ، فحولنا الزيتون والرمّان والبرتقال، وبيوت ثلاثة فقط متناثرة في المكان،
أوّل عمل قام به أبي، كُرمى لعيون أمّي، بناء تنّور بهيّ كبير، لأنّ تلك الأرغفة التي كنّا نشتريها من فرن حيّ الرمل هشّة بيضاء لم ينضج الكثير منها، وبدأ شغل جديد لأمّي تُحضِرُ الطحينَ الأسمر من القرية حصاد بيادرنا، وتجتمع الأسرة مساء حولها عند التنّور فلا يصل إلى البيت إلّا ما رحم ربّي.
في الليالي المقمرة نجتمع إلى الصباحات الأولى عند هذا التنّور قصصاً وحكايا، وبعض الغناء الشفيف، وبعض من الغزل العذريّ الخفيّ،
ما أن ننتهي من ذلك السَّمَر الجميل، ونندسّ تحت فراش ناعم خفيف حتّى تبدأ جوقة الثعالب قويّة هدّارة كأنها تريد اقتحام المكان، ذكّرتني بأصوات ثعالب القرية التي غالباً ما كانت تسكتها أو تخفت من حدّتها نباح الكلاب الضارية.
في الصباح الباكر من أوّل كلّ صيف يجب أن نرافق الوالد إلى المنشرة لمساعدته، دوري دور العامل فقط، أنقل الأخشاب من عند أوّل آلة كهربائيّة انتهى من استخدامها إلى الآلة الثانية وحتّى الآلة الرابعة تكون النافذة أو الباب أصبح بعدها جاهزاً للتركيب، أخي أحمد أرفع درجة منّي كان يمسك مع أبي قطع الأخشاب ويشارك في تصنيعها، وعلينا في النهاية أن نذهب معه لتركيبها في بيت صاحبها.
عندما كبرنا وأصبح بعضنا على أبواب الزواج، شعر هذا الوالد أنّ مسؤوليّة جديدة تتحدّاه ولمّا يزل صلب العود شديد البأس، فشمّر عن ساعد الجدّ والحقيقة، وبدأ بقرار بناء بيت جديد في الأرض الباقية التي كان قد زرعها برتقالاً،
تقاسمنا حفر أساس الأعمدة بيننا، وبدأ العمل ولمّا يزل فينا بعض نخوة الرجال من القرية في تلك الجبال العصيّة على الحياة في ذلك الزمن البعيد،
أنجزنا العمل بأيّام معدودة، وكنّا لا نصدّق أنّنا فعلنا كلّ ذلك، إنّه الإنسان قاتله اللّه ما أجبره، لم ينته العام إلّا وكان البناء بطوابقه الأربع جاهزاً للسكن، أبي قام بصبّ الأعمدة بالكامل بمساعدتنا، وبناء الجدران بالكامل بمساعدتنا، وتركيب الأبواب والنوافذ، وتمديد الموادّ الصحيّة في كامل البناء، وأخي أحمد وضع مخطّط التمديدات الكهربائيّة لكامل البناء، وكنت أنا العامل في كلّ ذلك، وقد أغنّي لهم عند يشتدّ بهم التعب أناشيد لأبي نُواس والمتنبّي والمُنتَجَب، فيضحكون في شيء من الاسترخاء ونسيان الإرهاق.
كان يجب أن نضع تمثالاً لهذا الأبّ العظيم، وإن كان تمثاله في الروح والقلب والعقل أعظم بكثير، رحمه اللّه تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد.
.
قد نتابع في سيرة جديدة
ــــــــــــــــــــــــــ
صورة والدي الشيخ محمّد يوسُف عبد اللطيف سلامة، رحمه اللّه تعالى، كان نجّاراً بامتياز لم يأكل لقمة واحدة إلّا من عرق جبينه حتّى آخر لحظة من عمره

حفظ القرآن وهو فتى على يد العلّامة الشيخ حسين ميهوب حرفوش، وحفظ نهج البلاغه بالكامل للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام وهو في الأربعين من عمره، كان يؤدي الصلاة في أوقاتها، وصلاة المغرب في جامع الإمام الحسين عليه السلام، رحم اللّه آباءكم جميعاً.