الذهب العتيق.. الشهيد
محمد صباح الحواصلي
ذات نهارٍ موغلٍ في البعدِ، كان صبية من الحي يلعبون الكرة في جادة (قفا الدور)، وكان أحد أبناء الحي واسمه هشام فتال على رأس اللاعبين، بل ربما كان مُنظّم اللعب، وكنت أنا متفرجاً معجباً بأدائهم، لا أجرؤ أن أشاركهم اللعب لأنني دون عمرهم ببضع سنين، ولا أرقى لمهارتهم. وبغتة حدث ما كنت أتمناه: أن أنْقَلبَ من متفرجٍ معجبٍ إلى لاعبٍ مع الكبار المهرة، وذلك عندما خرج أحد الصبية من اللعب، وتقدم مني هشام واختارني لاعباً بديلاً. بذلت ما بوسعي أن أطبق تعليماته، وأن أكون لاعباً يحسن المناورة لكي أكون عند حسن ظنه. هذا كل ما أذكره عن أول لقاء لي مع ابن حيي هشام فتال في جادة (قفا الدور)، عندما كنتُ صبياً في الثانية عشر، وكان هو فتىً في الخامسة عشر.
*
مضى قرابة عقد من الزمن على ذاك النهار البهي الذي لعبتُ فيه كرة قدم مع هشام ورفاقه في مستهل الستينيات، ثم ألتقي مع هشام من جديد، ولكن كقارئ يملك مكتبة جيدة ومهتم بشؤون الأدب والثقافة. كنت حينها طالباً في المرحلة الثانوية، وكان هشام طالباً في جامعة دمشق، قسم اللغة العربية، ولم تكن معرفتنا قد ارتقت إلى مقام الصداقة؛ بل كانت علاقة وكأني بها بين تلميذ وأستاذه: أنصت أكثر مما أتكلم، أقول (نعم) جهاراً وأقول (لا) ضمناً، وما من مرّة حدثني إلا ولمت نفسي على كل (نعم) قلتها مجاملة وعلى كل (لا) لم أجرؤ على قولها. لكنني كنت في الوقت نفسه أحصد فوائد قيَمة من حديثه: (تصويب نحوي أو إملائي، فائدة إعرابية، معلومة شعرية لشاعر قديم، قصيدة رائعة لم تلق حظها من الذيوع، والإصغاء إلى حسن قراءته.) ولم تشتد أواصر صداقتنا ويتماهى فيها الأستاذ بالتلميذ إلا عندما أصبحت طالباً في كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية سنة 1973.
*
لا أذكر كيف كانت بداية تعارفنا من جديد في أواخر الستينيات، كل ما أذكره أنني كنت أزوره في بيته، ويزورني في بيتي.. تكررت هذه الزيارات، وحديثها يكاد يكون واحداً وكأن معرفتنا قامت لتخدم هذا الحديث دون غيره وهو: تمجيد القديم أدباً وفكراً وسلوكاً، وذم الحديث، وكان المتحدث على الأغلب هو هشام، والمستمع طبعاً هو أنا. وكانت دوافع حديث هشام تصوراً مسبقاً لذائقتي الأدبية (المُسْتغربة)، وتكويني الفكري (المنحرف). فهو – على سبيل المثال – يستنكر إعجابي بطه حسين وسلامة موسى ولويس عوض، ومي زيادة وجبران وولي الدين يكن، وأعلام الشعر الحديث ممن صادف هشام دواوينهم على رفوف مكتبتي مثل عبد الوهاب البياتي والسياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور، ذلك الأخير الذي ضحك هشام ملء شدقيه ساخراً عندما قرأ في ديوانه (الناس في بلادي):
“ورجعتُ بعد الظهرِ في جَيْبي قروشْ
فشربتُ شاياً في الطريق.."
فقال لي هشام مستنكراً: "هذا مثال مما جناه الشعر الحديث على شعرنا.. ما هذا التهافت: شربت شاياً في الطريق!! أهذا شعر!؟”
لم أجبه، (وتلك هي علّتي في زمن التأسيس: أتهيب الذين أحترمهم)، بل صمتُ مستمعاً! وأنا الآن عندما استرجع هذه الحادثة أشعر بخزي من نفسي؛ إذ كيف تركتُ هشاماً يسخر من قصيدة أعجبتني! قصيدة (الحزن)، واحدة من أجمل قصائد الشعر الحديث، من ديوان شغلني: (الناس في بلادي)، وصاحبه صلاح عبد الصبور، الذي رحل باكراً في 15 آب 1981، في الخمسين من عمره.
*
في زيارة لمنزل هشام فتال، كنت أحمل معي كتابَ (صندوق الدنيا) لإبراهيم عبد القادر المازني، ولعلني قصدت أن يكون هذا الكتاب هو رفيقي في تلك الزيارة؛ فقد سبق أن حدثني هشام حديث إعجاب عن المازني وأدبه وسخريته وتشاؤمه، وأدركت من إعجابه بأن المازني قد نجا من لائحة سخطه، وأنه يؤثره ويفضله على معاصريه الذين يحطبون في هوى الغرب والإستشراق أمثال طه حسين الذي أصابه الكثير من سهام سخرية هشام ونقده، وحتى آفته (العمى) لم تنجُ من سخريته بأن ذكر ما قاله مصطفى صادق الرافعي عن طه حسين: "يا أعمى البصر والبصيرة" و"أنت فيك من قفاك.."!. ثم تناول هشام كتاب "صندوق الدنيا" معجباً، وقلبه جذلاً، ورأيته يتصفحه تصفح العارف بمواضيعه ثم قال لي:
"هذه مقالة رائعة عنوانها (حلاق القرية)، سأقرؤها عليك."
وشرع هشام يقرأ وأنا أصغي إليه بإهتمام. أعجبت بما كتبه المازني كما أعجبت بقراءة هشام التي وقعت في نفسي موقع التمني بأن أبلغ مستواها الراقي من حسن اللفظ والإبانة، وملاحة النَبْر. وقد راق لي في قراءته انضباط السرعة، والتمهل في المواضع التي تقتضي التمهل، والجهر في المواضع التي تقتضيه. كما راقت لي ابتسامته التي تصاحب الصور والأفكار وهي تمتطي الكلمات، وتلك الضحكة الخافتة المعجبة التي تتبع طرائف المازني.
*
التحق هشام بالجيش السوري لأداء خدمة العلم، ولم أره خلال دورته العسكرية إلا قليلاً في الطريق، ثم رأيته وقد تخرج لتوه من الدورة برتبة ملازم ثاني. وكما ذكرت أن صداقتنا لم تشتد أواصرها ويتماهى فيها الأستاذ بالتلميذ، إلا عندما أصبحت طالباً في كلية الآداب سنة 1973. في تلك السنة التي التحق فيها هشام بالجيش، ولم أعد أراه إلا نادراً. رأيته مرّة ببزّته العسكرية برتبة ملازم ثاني، وهي السنة التي اندلعت فيها حرب تشرين، والتي علمنا فيها أن هشاماً قد أصيب وأنه من عداد المفقودين، والتي بلغني فيها أيضاً من ضابط متطوع في الدفاع الجوي أن هشاماً قد استشهد، ولم يكن قد ناهز السابعة والعشرين، فكان رحيله صدمة بالغة القسوة على أهله ومحبيه.
وعندما علمت من أحد الأصدقاء أن جادة "قفا الدور" (التي التقيت فيها بهشام لأول مرّة ونحن صبيان، ولعبت معه ومع رفاقه الكرة) قد سُمّيت باسمه تخليداً لذكراه: جادة الشهيد هشام فتال. رحمة الله عليه؛ الصديق الذي كنت آمل أن ترقى صداقتي معه إلى مدرج أعلى، وآفق أرحب.