مروان حبش.. شخصية نضالية وثقافية في زمن القمع

مروان حبش، إحدى الشخصيات السياسية والفكرية البارزة في سوريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين:
مروان حبش، مناضل بعثي ومفكر قومي في زمن القمع
ولد مروان حبش في عام 1938 في بلدة "جبّاتا الزيت" الواقعة في هضبة الجولان السوري المحتل حاليا. نشأ في بيئة قروية بسيطة، لكن روح الوطنية والالتزام بالقضية العربية شكّلت منذ سنواته الأولى ملامح شخصيته ومساره السياسي. انخرط مبكراً في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي كان في طور الصعود كقوة سياسية وثقافية في العالم العربي، واستطاع أن يبرز سريعاً كقيادي من الجيل الذي حمل شعلة الثورة القومية والاجتماعية في سوريا.
النشاط السياسي وتوليه مناصب حكومية
برز مروان حبش كعضو في قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي عام ١٩٦٥، وشارك في المجلس الوطني للثورة الذي تأسس بعد استيلاء البعثيين على السلطة في سوريا عام 1963. ومع تصاعد نجمه داخل الحزب، شغل مناصب حكومية حساسة في مرحلة كانت تشهد فيها سوريا تحولات سياسية واقتصادية عميقة.
في عام 1968، عُين وزيراً لشؤون القرى الأمامية في وزارة الدكتور يوسف زعين، وهي وزارة كانت تُعنى بالمناطق الريفية والحدودية، بما فيها مناطق الجولان بعد الاحتلال الإسرائيلي في 1967. لاحقاً، تولى وزارة الصناعة ١٩٦٩ في وزارة الدكتور نور الدين الأتاسي، وأصبح رئيساً للجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء، مما جعله أحد أبرز الشخصيات التي كانت تضع السياسات الاقتصادية لسوريا في تلك المرحلة.
الموقف من انقلاب حافظ الأسد
في ١٦ تشرين الثاني عام 1970، كان ماسميت "الحركة التصحيحية" التي قادها حافظ الأسد، والتي أزاحت القيادة البعثية التاريخية من الحكم، ومن بينهم مروان حبش. وعلى خلاف عدد من المسؤولين السابقين، من غير أعضاء قيادة الحزب، الذين رضخوا للأمر الواقع أو تعاونوا مع النظام الجديد، رفض حبش ورفاقه القياديين، التعاون مع الأسد، معتبراً أن انقلابه مشبوه ومنافٍ لمبادئ الثورة البعثية.
كان حبش يرى أن حافظ الأسد حوّل الدولة إلى "مزرعة" خاصة، وأن الشعب أصبح مجرد "رعية"، في انتقاده المباشر والمبكر للسلطوية التي طبعت الحكم في سوريا لعقود لاحقة. هذا الموقف السياسي الواضح كلّفه ثمناً باهظاً.
ربع قرن في المعتقل
في أعقاب رفضه التعاون مع النظام الجديد، تم اعتقال مروان حبش دون توجيه أي تهمة رسمية له. قضى ما يقارب ربع قرن في المعتقل، في واحدة من أطول فترات الاعتقال السياسي في التاريخ السوري المعاصر، دون محاكمة، ودون أن يُعرف له أي نشاط جنائي أو مخالفات قانونية.
رغم سنوات السجن الطويلة، لم ينكسر حبش، ولم يبدل مواقفه. ظل ثابتاً على مبادئه القومية، ومؤمناً بأفكاره حول النهضة والدولة والمجتمع. وقد أُفرج عنه أخيراً في أواخر عام 1993، في ظل ضغوط سياسية وحقوقية محلية ودولية.
الإنتاج الفكري والنشاط بعد الإفراج
بعد خروجه من المعتقل، لم ينكفئ حبش عن الساحة الفكرية والسياسية. بل استأنف نشاطه بكل عزيمة، وكتب كثيرا من المقالات التي ناقشت قضايا الدولة القومية، النهضة، والعدالة الاجتماعية. انشغل بتحليل أزمات الدولة العربية من منظور قومي واجتماعي وفلسفي، وكان من أبرز الأصوات التي دعت إلى عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق المواطنين ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة القومية الديمقراطية.
كما أصدر أربعة كتب هامة تمثل خلاصة فكره وتجربته:
1. البعث وثورة آذار: تناول فيه التاريخ المبكر للحزب والثورة البعثية وما اعتراها من تحولات.
2. مروان حبش في قضايا وآراء: وهو مجموعة مقالات وآراء فكرية وسياسية.
3. في العقد الاجتماعي: قدّم فيه رؤيته لعقد اجتماعي عربي قائم على المشاركة والمواطنة والحرية.
4. الشرق والديانات غير السماوية: عمل فكري يتناول الجانب الديني والفلسفي للشرق خارج الأطر الإبراهيمية التقليدية.
إرثه وتأثيره
يُعد مروان حبش من القلائل الذين جمعوا بين الممارسة السياسية العميقة والطرح الفكري المبدئي، دون أن يسقطوا في براغماتية السلطة أو الاستسلام للواقع القمعي. تمثل سيرته رمزاً للنزاهة الفكرية والصمود في وجه الاستبداد.

رغم التغييب الطويل وراء القضبان، بقي تأثيره حاضراً في أوساط المثقفين القوميين والناشطين السياسيين، كصوت معارض عقلاني، ومرجع في فهم تحولات البعث والثورة السورية.