أبي.. التاجر الصدوق عبد الرحمن الحبش
د. محمد حبش
أسعدتني اليوم مشاركتكم ومحبتكم في الترحم على أبي، في يوم العيد
وأحببت ان أروي شيئاً عن أبي للذين لا يعرفونه...
لم يكن أبي رحمه الله فيلسوفاً ولا فقيها ولا مفتياً، كان رجلاً دمشقياً من أعيان حي الميدان المجاهد، وأسس مع الشيخ صادق حبنكة لجنة الإصلاح بين الناس، والتزم الطريقة النقشبندية عن الشيخ أحمد كفتارو.
أما اليوم الذي لا أنساه لأبي فهو يوم 10 حزيران 1976
كان والدي تاجراً صادقاً، وقد كان محله في شارع فيصل: ريحاوي وحبش لتجارة الحديد والاسمنت أكبر محل في ذلك الشارع التجاري وربما كان المحل الوحيد في السوق الذي تدخله السيارات الشاحنة الكبيرة فتفرغ حمولتها وتستدير بداخله ثم تخرج.
عشنا طفولة حلوة.. كان يميزها الولائم التي كان الوالد يقيمها باستمرار خاصة للفقراء وطلبة العلم، حيث كان يستضيفهم على مائدة الطعام في بيتنا في سوق ساروجة، حيث كانت أمي مستنفرة بشكل شبه يومي لإعداد الطعام لضيوف الوالد، ةتقدمه لهم راضية فرحة، واشتهر أنه كان يعطي كل واحد منهم بفرح وسرور 25 ليرة (تسعيرة موحدة) أجرة اسنانهم التي هضمت الطعام!
في 1976 كنا أطفالاً حين تعرض الوالد لخسارات مالية كبيرة في مجموعة مشاريع مقاولات، كان يستثمر فيها المال لعدد من العائلات وقد خسر فيها المال والرأسمال، وملص شركاؤه كالشعرة من العجين، وبقي وحده في مواجهة الناس......
كان بإمكانه أن يجد ألف حيلة وحيلة، وأن يلعب الطرابيش التي يلعبها التجار المحترفون، ولكنه بكل شجاعة جمعنا وقال: يا بابا لقد خسرنا مشاريع حوران، وأصبحنا مدينين للناس، ولا بد من بيع كل ما نملك!
خلال أسابيع فوجئنا بالوالد يبيع حصته من المحل التجاري، ومزرعتنا في الديابية، وسيارته التي كان يركبها.. وكان يقول لا يقبل الله منا صلاة ولا صياماً حتى نؤدي حقوق الناس!
لم يتصور أحد أن يبيع أيضاً البيت الذي نسكنه في سوق ساروجه!! فهذا أمر لا يفرضه شرع ولا قانون! ولكن الوالد قام بسرعة ببيع البيت بسعر زهيد 36 ألف ليرة، وحاول عمي أبو فوزي انقاذ الموقف وشراء البيت، ولكن الوالد أسرع بالبيع وفوجئنا باننا أصبحنا بلا بيت!! وحبن استلم سعر البيت لم يبت في جيبه منه ليرة واحدة بل قام بتوزيعه بالكامل على الدائنين!!
ودون أدنى تردد أذكر تماما يوم 10 حزيران حين جاء بسيارة شحن كبيرة ونزَّل عفش البيت كله.. وفوق العفش كل إخوتي التسعة وركبنا سيارة الشحن وسط ذهول الجيران وبكائهم وبكائنا ولا نعرف أين نتوجه....
أذكر تماما كيف سارت بنا السيارة إلى عين الخضراء الى دار ابو زاهر نصر الله حيث كان له غرفتان قبو قرب النهر.. وقال لنا الوالد.. هنا سنسكن.. ولا يجوز لنا أن نشعل ضوء كهرباء!! حتى نؤدي ما علينا من ديون للناس....
كانت بالفعل سنوات قاسية جداً تنقلنا فيها بين عدد من بيوت الإيجار... حتى مكن الله لأخي عادل في التجارة من جديد وقام برعاية إخوته، ونجحنا في النهاية في شراء منزل بالمزة..
في آخر عيد قبل وفاته 1989 كنا حوله حين قال لنا: سامحوني.. لم أحقق لكم ما تريدون.. ولكن لم أطعمكم قرشاً من حرام...
توفي والدي 23/11/1989
لم يترك الوالد درهماً ولا ديناراً.. ولكنه ترك أروع زوجة صابرة وذكية، وأروع أحد عشر أخاً وأختاً على قلب واحد، منهم ستة يحفظون كامل القرآن الكريم، وقد صار عدد ذريته اليوم 152 ولداً وبنتاً وصهراً.
منذ خمسين سنة.. لا أذكر أن واحداً من إخوتي رفع صوته على أخيه أو أخته، أو قاطعه أو هجره يوماً واحداً..!!
..................
أنا مدين لك يارجل المبادئ...
كلما قرات كلمة الرسول الأكرم لمعاذ بن جبل أتذكر عينيك....
يا معاذ... إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا من حرام....!!
...................................
الوفاء والمحبة لعمي أبو فوزي وأبنائه فوزي وغسان ومروان وهشام وبوران، وعمي أبو رياض وأينائه محمد وعمار ومعمر وأخواتهم الكريمات، وعمي عدنان وابنه حسان وأخواته الرائعات، وبارك لنا بحياة أم حسان الفاضلة، وعماتي الغاليات فاطمة ومكية وفايزة وأمينة ونسلة وإسعاف رحمهن الله تعالى، وبارك لنا في حياة إنعام وزهور وذريتيهما من آل قصيباتي وديرانية.....
ملاحظة من فينكس: كتب د. حبش هذا النص تاريخ 31 آذار 2025، عيد الفطر السعيد.