من أعلام حماة: المحامي مصطفى محي الدين الحوراني

خالد محمد جزماتي- فينكس

( 1903 -- 1986)
تتكون المجتمعات في كل زمان ومكان من عائلات، وتلك العائلات تتألف من أفراد، فبقدر ما يكون سواد الأفراد من الصالحين عديدهم كثير في عائلاتهم، بقدر ما تكون المجتمعات صالحة في الظاهر والباطن...
ولقد كان الفقر والجهل والمرض من سمات المجتمعات العربية في زمن ما قبل عصر النهضة الذي نستطيع تحديد بداياته في بلادنا منذ النصف القرن التاسع عشر الميلادي...
ومدينة حماة أصبحت عاصمة للواء المشكل من حماة وحمص والسلمية ومصياف وما يتبعها من نواح وقرى منذ ستينات القرن التاسع عشر.. ومضى التعليم فيها كغيرها من مدن الولايات العثمانية إذ أخذ أبعاداً مختلفة، ولكن كانت أرقى أنواع الأماني، أن يرسل الأغنياء أبناءهم إلى "الآستانه" لإتمام دراستهم في بعض الاختصاصات...دفعة المحامي مصطفى الحوراني 1929 من الجامعة السورية
ولقد برز رجالات كبار حملوا راية النهضة ودعوا الى العلم والتعلم، نذكر من هؤلاء الشيخ محمد سعيد النعسان والشيخ سعيد الجابي والشيخ حسن رزق والشيخ أحمد الصابوني ومئات غيرهم يضيق المجال بذكرهم..
ولقد عانى شعبنا ونخبه السياسية من عبث وظلم الأتراك الاتحاديين، وحنث الانكليز في وعودهم بالمساعدة على تأسيس الدولة العربية الواحدة، ثم سوء معاملة سلطات الانتداب الفرنسي وأعوانهم لشعبنا... كل ذلك رافق ولادة رجال أشداء في البلاد الشامية عامة وفي حماة خاصة، وهم من قادوا الثورات، ومن أسس المدارس وأصدر الصحف والمجلات، وكانوا للمستعمر نداً قوياً، حصلنا بنتيجة التضحيات الجسيمة على الاستقلال الكامل يوم 17 نيسان 1917...
ومن الرجال الذين بذلوا جهداً عظيماً في العمل الوطني، وكان ذكرهم قليلاً وربما إهمالاً غير متعمّد نذكر ابن حماة البار "المحامي مصطفى محي الدين الحوراني"...
وُلد مصطفى الحوراني في حماة عام 1903، وهو الابن الخامس للمرحوم محي الدين الحوراني (الحلقي الرفاعي الحسيني) وهو سليل الأسرة الناشئة من صلب الشيخ عثمان الحوراني الحلقي الذي وصل حماة من بلدة "جاسم" من أعمال حوران سائحاً في القرن الحادي عشر الهجري، ثم استقر بها، و بنى زاوية في أرض سميت فيما بعد بحي الحوارنة، ومن أخوته ياسين ورشيد الحوراني.. ولقد ترعرع الطفل مصطفى الحوراني في بيئته المحافظة وفي زمن مليء بالأحداث العظام، ونال العلم في أحد الكتّاب في المدرسة الابتدائية، وكان هناك مدرستان فقط في حماة و إعدادية واحدة، ثم غادر حماة ليتم دراسته في مكتب "عنبر"، وهناك تعرف على كثير من رجالات بلاد الشام وعمل معهم في النشاط القومي والنضال ضد سلطات الانتداب، وخاصة أثناء الثورة السورية الكبرى (1925-1927)، ثم انتسب الى معهد الحقوق التابع للجامعة السورية والذي برزت فيه مواهبه الحقوقية، التي نهلها من مدرسي معهد الحقوق الكبار ومنهم: أبو اليسر عابدين وعبد القادر العظم (مدير المعهد في ذلك الزمن، وفارس الخوري وفائز الخوري وشاكر الحنبلي وفوزي الغزي وسامي الميداني وغيرهم)... وكان يسكن في شقة متواضعة بدمشق، ومن الجدير بالذكر أن ابن أخيه أكرم الحوراني سكن عندة فترة انتسابه إلى مكتب عنبر، حيث نال منها شهادة البكالوريا، وقد تعرف أكرم الحوراني عن طريق عمه مصطفى الحوراني على كثير من الشخصيات العربية الذين أسسوا الكتلة الوطنية عام 1928، وقد اعترف أكرم الحوراني في مذكراته بأنه كان متأثراً بشخصية الشهيد المرحوم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر المنافس للكتلة الوطنية الذي ينتمي إليها عمه مصطفى الحوراني..
تخرج المرحوم المحامي مصطفى الحوراني من معهد الحقوق عام 1929 مع كوكبة لامعة من الحقوقيين من مختلف بلاد الشام، وكثير منهم لعب دوراً هاماً في السياسة والشأن الوطني العام..
ولقد مارس مصطفى الحوراني العمل في مهنة المحاماة في مدينته حماة في مكتب مشترك جنباً إلى جنب مع المحامي رئيف الملقي الزعيم الشعبي المعروف، وقد اشتركا معاً في الدفاع عن حقوق الفقراء والعائلات الشعبية، وخاضوا معاً المعارك الوطنية ضد سلطات الانتداب الفرنسية والسلطات المحلية المتعاونة معهم...
ويعتبر المحامي مصطفى الحوراني مع قريبه الأسناذ عثمان الحوراني من مؤسسي الكتلة الوطنية في حماة إلى جانب الشيخ عبد القادر الكيلاني والوجيه الحموي نجيب البرازي ورئيس الكتلة في حماة الدكتور توفيق الشيشكلي والمحامي رئيف الملقي (تخرج من معهد الحقوق عام 1926)....
ولقد كان له دور كبير مارسه ضد المستعمر الفرنسي في ثلاثينيات القرن العشرين، إذ انتسب الى منظمة القمصان الحديدية شبه العسكرية التي أسسها في دمشق الوطني الكبير فخري البارودي، والتي انتشر تنظيمها في جميع أرجاء سورية، وكان من أشهر قادتها في حماة سعيد الترمانيني وعثمان الحوراني ومصطفى الحوراني وأكرم العاشق وأحمد الوتار وعبد الرحيم الغزي وغيرهم.... و لاحقت السلطات الفرنسية كثير من منتسبي القمصان الحديدية ومنهم مصطفى الحوراني الذي تم اعتقاله مع كوكبة من المجاهدين...
وفي أواخر عام 1936 تم توقيع المعاهدة الشهيرة بين رجال الكتلة الوطنية بزعامة الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي، عند ذلك تم اطلاق سراح الوطنيين بموجب عفو عام، خرج على أثره المحامي مصطفى الحوراني من سجنه، وتم تعيينه من قبل الحكومة الوطنية مديراً لناحية "السفيرة" ثم لناحية "محردة" في محافظة حماة... وبعد خدمته في السفيرة ومحردة برز كرجل إداري قدير شهد له رؤساءه والسياسيون بمختلف انتماءاتهم، فتمت ترقيته إلى مرتبة "قائم مقام"، خدم بواسطتها قائم مقاماً في: السلمية وجرابلس ومنبج والبو كمال وصافيتا والقنيطرة، وفي تلك البلدات ظهرت للجميع مواهبه في إدارة الأعمال بشكل جعل القيادة السورية في ذلك الزمن تكلفة بوظيفة محافظ للحسكة لمدة عامين، وفي العام 1954 تم تعيينه محافظاً للاذقية حتى عام 1958، وقد أنجز الكثير من الأعمال وساهم في التنمية الاقتصادية بجميع أشكالها، وكانت إدارته حكيمة شهد له مواطنو المحافظات التي خدم فيها وخاصة محافظة اللاذقية، ويشهد على هذا أنه بعد إحالته على التقاعد عام 1958 تم الاتصال به للتعاقد معه على إدارة شركة مرفأ اللاذقية، وتلك مهمة قام بها خير قيام، حيث نهض بالمرفأ، وأدار العمل فيه بحنكة وتجاوز أصعب المعوقات و ازدهر تحت قيادته، وقد دل على صدق خدماته قيام الرئيس جمال عبد الناصر بمنحه وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى.
بعد انتهاء عقده مع شركة مرفأ اللاذقية شعر برغبة الى العودة إلى مسقط رأسه في حماة، فعاد إليها بعيد يوم 8 اّذارعام 1963، ليمارس هوايته في المطالعة وخدمة أسرته وأهل بلده في كل مجال ينجح فيه... وهكذا عاش إلى أن توفاه الله يوم 24 أيار 1986.
كان المرحوم مصطفى الحوراني من جيل حلم رجاله بمستقبل زاهر لأمته وعمل مع الاّخرين على تحقيق ما استطاعوا من أحلامهم، فحصلوا على ما نعرفه من دول مقسمة من عموم أراضي العرب، فماذا صنعنا نحن؟
المصادر: وثائق المحامي نصير الحوراني
-- مذكرات أكرم الحوراني