عدنان بدر أو عدنان الحلو نموذج يقتدى به
يجب أن نعدّل عاداتنا و أن نكرم الشهداء الأحياء كما نكرم الشهداء الذين ارتقوا الى السماء
تكريم الشهداء الأحياء يعطيهم دفعةً للأمام لمزيد من الابداع والعطاء
عدنان بدر، أو عدنان الحلو نموذج يقتدى به
كتب بسام أبو شريف
في بلادنا درجة العادة على تكريم الشهداء تكريماً يستحقونه، لا بل يستحقون أكثر بشكل عام وبشكل خاص، فالشهداء الذين بذلوا أنفسهم في سبيل قضية سامية كقضية تحرير الوطن والحرية والاستقلال وحقوق الانسان وكل ما تطمح نفس الانسان الراقية إليه، هؤلاء الشهداء يستحقون كل التكريم وهذا ما تفعله بلادي في كل من استشهد على أرضها من أجلها ومن أجل الانسان ومن أجل قضايا الانسان العادلة، الحق، رفض الظلم ورفض العنصرية.

لكن هذه العادة، تسد الطريق ان بقيت منفردة على عادة لا بدّ من اطلاقها و تطويرها و اتباعها منذ الآن وهي عادة تكريم الشهداء الأحياء، أي تكريم الذين ناضلوا و بذلوا النفس والنفيس في سبيل نفس القضايا التي استشهد وارتقى من أجلها الاخرون.
و هذا يتطلب منا أن ندقق بكل ما يجري حولنا، و بكل من يبدع من حولنا في سبيل القضايا التي نناضل جميعاً من أجلها، فمن الجهور يبرز شباب هم بمرتبة الشهداء طالما يقاتلون في الميدان، لكنهم أحياء و قد يستشهد البعض منهم ليرتقي و يبقى الآخر ليتابع.
و علينا أن نكرّم الذي يتابع، تماماً كما كرّمنا الذي ارتقى، فهذا واجب وهذا نهجُ يشكل عاملاً دافعاً للأمام دافعاً لهؤلاء الذين بذلوا الكثير ولديهم الاستعداد للاستمرار في البذل والعطاء، عامل دفع للابتكار و الاتيان بأفكار جديدة في معركة هي من أصعب المعارك يخوضها شعبنا من أجل الحرية والاستقلال من أجل تحرير الوطن، من أجل حقوق الانسان من أجل أن نصبح في بلادنا أسياداً على أنفسنا وأرض نا و جونا و بحرنا.
في أوائل الستينات و تحديداً بعد الانفصال، انفصال سوريا عن مصر، بعد أن شكلت الوحدة بينهما أملاً لأمتنا العربية، باستمرار هذا الطريق، طريق الوحدة العربية، إلا أن معسكر العدوان الذي تقوده الولايات المتحدة والصهيونية و عملائها من الرجعية العربية، أبوا أن يستمر هذا الطريق لأن وحدة العرب كانت تعني نهوضهم، كانت تعني سيطرتهم على ثرواتهم.
وحدة العرب، أمل للعرب من أجل أن يجمعوا ويحشدوا قوتهم من أجل بناء مستقبل زاهر تستخدم فيه ثرواتهم من أجل شعوبهم.
تستخدم ثرواتهم في رفعة شأنهم علماً وبحثاً و صناعة و زراعة.
في هذه الفترة، فترة الانفصال اضطر عدد كبير من الشباب العربي القومي بغض النظر عن تسمية هذا النهج القومي لدى هؤلاء الشباب، بعثي قومي عربي.
المهم أن شباب التيار القومي الذي كان يناضل من أجل الوحدة العربية و في الوقت نفسه يضع الاشتراطات اللازمة لتكون تلك الوحدة، وحدة متينة عميقة الجذور و قابلة للحياة و الاستمرار و الانتشار.
في هذه الفترة، كما قلنا، غادر سوريا عدد من الشباب القومي نتيجة الوضع الذي فرضته القوى الرجعية التي فكت الرباط بين مصر و سوريا و نجحت في تدمير الوحدة التي بناها شكري القوتلي وجمال عبد الناصر.
و لجأ عدد منهم إلى بيروت، بيروت التي كانت عاصمة تتميز رغم وجود عملاء و وكلاء و منفذون لمخططات الأعداء، كانت تتميز بكونها جزيرة، واحة، للذين يبحثون عن هامش من الحرية في التعبير عن نفسهم و آرائهم وطموحهم، و تتميز بكونها واحة تعطي هامشاً من القدرة على العيش بآمان نسبي لهؤلاء الذين هجّوا من التغيرات التي جرت على أنظمتهم ، سواء في العراق أو سوريا أو الأردن، أو أي مكان آخر.
فتجمع في بيروت مئات الشباب، الذين يمتلكون القدرة الفنية و الأدبية و الثقافية على المساهمة، مساهمة بناءة في دفع الحوار للأمام في اغنائه و اغناء التجربة النضال القومي من أجل وحدة عربية، كلها تصب باتجاه المعركة المركزية وهي القضاء على الصهيونية العنصرية وتحرير فلسطين.
من هؤلاء الشباب، غسان كنفاني الذي استشهد وارتقى في عام 72 عندما زرع الموساد المتفجرات في سيارته فاغتالته، و اغتالت معه ابنة شقيقته فايزه و اسمها لميس، و لميس هي الطفلة التي كتب لها غسان كنفاني قصص الأطفال الصغيرة، و كانت برفقته بعد نالت تميزاً و تفوقاً في التوجيهي و جاءت لتسجل في الجامعة الامريكية في بيروت كطالبة للسنة الأولى، فارتقت معه أيضاً شهيدة على يد الموساد.
و من هؤلاء، عدنان الحلو، الذي كان يسمي نفسه عدنان بدر، و ذلك خوفاً من الملاحقات في لبنان، لأن الملاحقات للذين يعارضون الأنظمة أو يقفون مواقف صلبة من أخطاء الأنظمة، كانوا يلاحقون حتى في بيروت.
شاب في مقتبل العمر مثقف، قومي، و متطور من حيث عدم ابتلاعه للأفكار القديمة كما هي، بل من درسها وهضمها وتمكن من توجيه انتقادات لها وطرح أفكار جديدة تغنيها و تدفعها للأمام.
كان عدنان بدر من هؤلاء الذين يعلنون موقفهم بصراحة ودون وجل وبشجاعة ودون خلل، كان عدنان بدر صريحاً جريئاً، و إن اخطأ لكنه كان من الجرأة بمكان بأن يدافع عن رأيه إلى أن يثبت له ان عليه أن يعدل فيما يطرحه، فكان عقله السليم والمنطقي يقبل ذلك ويعدل كما خلصت اليه النقاشات المنطقية التي كان يخوضها مع عدد من الأصدقاء و أهمهم غسان كنفاني.
كنا نرى في عدنان بدر ذلك الشاب الذي يمتلىء بالحيوية والطاقة، والمندفع نحو الانتاج فيما يخدم الأهداف و المبادىء و الآراء التي تفرزها تحليلاتنا السياسية و مواقفنا و منهجنا العام، النضال القومي من أجل تحرير فلسطين، و النضال القومي من أجل تحرير الجماهير العربية ووحدتها، و تمكينها من السيطرة على ثرواتها من أجل التقدم علمياً و صناعياً و ثقافياً، و في كل منحى من مناحي الحياة.
اختاره غسان كنفاني ليكون مساعداً له، ومسؤولاً عن الصفحات التي تتناول قضايا القومية العربية، كان المسؤول عن الشؤون العربية في مجلة الهدف، وكان باستمرار، إضافة لمسؤوليته عن كتابة التحليل حول التطورات التي تدور في العالم العربي، إضافة لذلك كان يساهم ويغني النقاش في قضايا دولية تعكس نفسها سلباً او ايجاباً على المنطقة العربية والتطورات في المنطقة العربية، أو تعكس نفسها سلباً أو ايجاباً على التطورات التي تشهدها قضية فلسطين و النضال من أجل تحرير فلسطين.
سريع البديهة، يجد جواباً سريعاً على كل تساؤل يطرح، و لا يجد مشكلة أو عقبة في تناول موضوع بالتحليل مستنداً بعقل جدلي واضح، لا يتعامل مع الأمور والتطورات إلا بمنهج جدلي يحمي آراءه واستنتاجاته من الوقوع في أخطاء جسيمة، بل أن وقع بخطأ فهو هامشي لا يؤثر على جوهر الموقف بحد ذاته.
على الصعيد الشخصي كان محباً صديقاً صدوقاً خدوماً، يحب مساعدة الآخرين ويسرع لإنقاذ من يحتاج الإنقاذ، و يقف موقف الشجاعة و الاقدام في كل ما يتصل بالأخلاق الحميدة، و كان له موقفاً واضحاً من حقوق المرأة و معاداة العنصرية، و الرغبة في بناء مجتمع خالي منكل انواع العنصرية و التفرقة العنصرية.
قلبه أبيض كما يقولون، لا يعرف الخداع و لا يعرف الخبث بل يتصرف كابن قرية تفتح عينيها على حبات الندى تتدلى من شجرة تين أو دالية عنب.
أو من وردة قطرات الندى فيها تشبه دموع مودع محب.
لا يتردد في مساعدة من يطلب المساعدة، و لا يتردد القيام بمهمة قد تبدو و تكون مهمة صعبة أو شبه مستحيلة، قد يجازف إذا طلب منه القيام بمهمة تحتاج للمجازفة وتشكل خطراً على حياته، لم يكن يتردد أبداً في القيام بتلك المهمة، إذ كان يعتبر أي مهمة يكلّف بها خدمة لقضايا الوطن، و قضايا الأمة هي نضال حقيقي، و هذا عين الصواب، فأي مهمة يقوم بها انسان لخدمة قضايا الأمة و الوطن هي تضحية بالنفس و مجازفة بها من أجل تحقيق الأهداف السامية.
عدنان بدر، إن وعد أوفى، و هذه خصلة أصبحت شبه نادرة في بلادنا، بعد أن غزت عقول الأجيال، سياسة الماكدونالز و سياسة البيتزا هت و سياسة النسكافيه إلى آخره من سياسات استعمارية تدسّ في الأكل و السجائر و القهوة و كل ما يبتلعه الانسان، في الوقت الذي ينهب هو و يسرق تراثنا و يبيعه في الغرب سواء كان الفلافل أو الحمص أو المطرزات و الحطة، و يطرحها كأنها تراثه القديم تراثه العتيق والعريق، هو تراثنا، و عدنان بدر من الذين احترموا التراث و التزموا به لأن التراث أخلاق حميدة مستمدة من حياتنا نحن سواء عشنا في الريف أو المدن، لكنها أخلاقنا التي نفتقدها الآن في الأغلبية العظمى من الناس، أخلاقنا هي الأخلاق الحميدة، و عدنان بدر من الذين احتفظوا بها و دافعوا عنها و قاوموا من يحاول أن يشطبها.
عدنان بدر، كان يحب الأمة، و يحب الشعب، و يحب المناضلين و يحب المضحيين، و يحترم كل الاحترام كل من يضحي بنفسه أو يجازف بها من أجل قضايا الوطن و الوطن، لكنه كان يشعر أيضاً على صعيده الفردي بالوحدة و يبحث عن دفء العائلة، إذ ترك عائلته في "مشتى الحلو" في سوريا، و عاش وحيداً في غرفة صغيره، يقرأ و يكتب و يعمل وحيداً.
كان يريد ما يريده أي انسان عاقل و محب و طيب و خلوق، كان يريد أن يكون له زوجة وعائلة تعطيه دفئاً ودفعة، الدفء العائلي و الدفع هو الاهتمام و الحث على مزيد من التطور و التقدم للأمام، فوجد ضالته في سهيلة يعقوب بنت أمين الحزب السوري القومي الاجتماعي عادل يعقوب، انسانة رقيقة عطوفة معطاءه ومضحية، تعلم أن حياتها هي في نهاية الأمر أن تبني من عائلتها عائلة تلتزم بالخط الذي التزم به والدهم، تلتزم بالنضال الذي التزم به والدهم و التزمت هي به بعد والدها، كانت رؤفة حنونه، أعطت عدنان ما كان يحتاج اليه حتى يبدع ويبتكر ويأتي بالجديد، ودفعته للأمام.
سهيلة يعقوب أعطت عدنان الحلو، و أعطت أولادها كل ما يحتاجون له من حنان وحب وتضحية حتى يشبوا أصحاء متعلمين مقدامين على خدمة أمتهم عن قناعة منطقية وعن قناعة أخلاقية وعن التزام بما يلتزم به خيرة البشر من الدفاع عن الحق والعدل والحرية والاستقلال ومحاربة العنصريةوحقوق الانسان.
عدنان بدر هو المثل الذي اضربه هنا لأحث الناس الذين استمروا على درب النضال من ان يمنحوا هؤلاء الشهداء الأحياء الذين ابدعوا في خدمة امتهم وشعبهم وقضايا امتنا السامية والتي مازالت بحاجة لنضال دؤوب، نضال من نمط جديد ، نضال يؤدي بجماهيرنا الى الانتصار وسحق العنصرية الدموية التي زرعت على ارضنا.
أقول للأحياء الذين مازالوا يسيرون على درب النضال، اكرموا الشهداء الأحياء الذين يستمرون في النضال وهم يراقبون صعود الاجيال الجديدة ويمتنون ان يعطوا هذه الاجيال دروس تجربتهم ويتمنى ان يعطوا هذه الاجيال أفضل ما استنتجوا من نضال عشرات السنين ضد اعداء امتنا العربية وان يعلموا هذه الاجيال كيف تنتصر ولماذا هزمت من قبل ان نعرف ان اتقان العمل والدراسة العمقة لما يفعله العدو ويخطط له والتخطيط لضرب مفاصله التي تجعل من هرم القوة جبلاً منهاراً امام ضربات طفل يحمل حجراً.
اطلب من كل الاجيال، المناضلة والتي شقت الطريق ومهدته للأجيال القادمة لتتابع النضال، اطلب منها ان تكرم الشهيد الحي الانسان الفذ الخلوق الملتزم الذي لا ينحني امام الصعاب ولا يهزم امام القوة الغاشمة، بل يتقدم للأمام مشرعاً قلمه الباسل ليكتب حول الحق والعدل والحرية والاستقلال وحقوق الانسان ومناهضة العنصرية الدموية.
من جهتي وانا الذي عملت في موقع رئاسة تحرير مجلة الهدف بعد استشهاد البطل غسان كنفاني، من موقعي في رئاسة التحرير ومسؤولية الاعلام في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أقلّد عدنان بدر أرفع وسام يمكن أن يقلّد لمناضل، و أُسميه وسام النصر، لأن ما قام به عدنان بدر ويقوم به مئات من المناضلين الشهداء الأحياء يشكل مداميك صلبة راسخة في بناء الانتصار، و النصر الذي لا اشك لحظة انه آت آت آت.