فادي نصّار: السوريون الشركس.. مواطنون أمميون
لا مكان للكلمات الرومانسية والجمل المنمقة، عند الحديث عن أناس عاشوا حياة الجبال القاسية، ولهم شخصية القائد العسكري، الفارس الشجاع والرجل الرزين، بلباسه الأنيق، هم الخيَّالة المهرة، أصحاب معنوياتٍ لا تنكسر ولا تنحني، إنهم الشراكس (أو الأديغة بلغتهم).
خاض الشراكس، بتحريض من الإنكليز(أرسلت المخابرات البريطانية في عام 1834 دبلوماسي شاب يدعى ديفيد اوركاهارت David Urquhart ، إلى شمال القفقاس الغربي، أوكلت إليه مهمة تحريض الشركس على التمرد -اجتماع قلعة أنابة) ’ حروباً دامت مئة عام وعام، ضد جيوش القيصر الروسي "بطرس الأكبر, فخسروها كلها.
بعد هذا السقوط ، كان انتقام القيصر الروسي منهم شديداً للغاية، حيث تعرضوا لعمليات التطهير العرقي، وهُجِروا هجرةً جماعيةً، راح ضحية الانتقام القيصري حوالي مليون ونصف المليون انسان من الشركس.
بدأ "الأديغة" هجرتهم الجماعية، في الحادي والعشرين من شهر أيار/مايو، سنة 1864، تاركين أرضهم الأم شركيسيا (شمال القوقاز)، لينتظروا في العراء حوالي سنتين، تم بعدها ترحيلهم على متن سفنٍ أرسلتها الدولة العثمانية، غرق الآلاف منهم في البحر الأسود، وقضى المرض والجوع على آلاف أخرى، أما الذين نجوا ووصلوا الى أراضي السلطنة العثمانية، التي أرسلتهم الى مناطق سيطرتها التي تحتاج للحماية، مستفيدةً من شجاعتهم وإمكانياتهم القتالية.
خلال تاريخهم الطويل (5000 سنة) حققوا الكثير من الإنتصارات، فيوم كانوا مماليك (برجيين)، استطاعوا بقيادة سيف الدين قطز، إلحاق أول هزيمة قاسية بجيش المغول بقيادة "كتبغا"، في معركة عين جالوت (1260م)، كما ألحقواهزيمة تاريخية بالقوات التترية في معركة "القنجال"، التي خاضها السلطان الشركسي برقوق واسترجع فيها العراق من تيمورلنك.
ولدى الشركس قواعد حياتية، أو منظومة قيم أخلاقية -إجتماعية، تسمى "خابزة Habza"، تَنظُم كل ما له علاقة بحياتهم، وتتماشى مع الزمان والمكان الذي يعيشون فيه، مبنية عل قاعدة أساسية تقول: (لا يوجد شيء إلّا وله نظام وقانون)، وهي مجموعة من القوانين والمبادئ (غير المكتوبة)، ثابتةً تقريباً لأزمانٍ كثيرة، يتمسكون بها بقوة، ويحرصون على عدم تغييرها إلّا ببطء شديد وعلى مراحل متباعدة تاريخياً.
يولون إحتراماً كبيراً للمرأة، ويعطونها مكانةً مرموقة في المجتمع، وينبذ المجتمع الشركسي تعدد الزوجات، إلّا إذا استدعى الأمر ذلك (عدم الإنجاب)، ويُعتبر الطلاق عندهم قلة رجولة، ويحتقرون الرجل الذي طلق زوجته، وكذلك المطُلقة. مثقفون يُحبون الحياة، يولون إهتماماً بالغاً بالموسيقى، أغانيهم صاخبة، يغنون بهدف نشر التعاليم الدينية "الأديغه خابزة"، أغانٍ للحرب وأخرى للحب، وبعض أغانيهم فيها الكثير من الحزن، يرددونها كتحية للذين ماتوا في الهجرة الكبرى.
الى جانب الموسيقى، يحتل الرقص الشركسي المشهور، مكاناً مميزاً، و كان هذا النوع من الفنون سابقاً، رقصاً دينياً يحاكي الآلهة والأرباب، كما كانوا يؤدون الرقصات لوداع المحاربين قبل الذهاب للمعارك، وغالبية الرقصات يشترك فيها كلا الجنسين، ويشترك بالرقصات الفتيات فقط، أمّا المتزوجات والأرامل والمطلقات فلا يشتركن.
يعيش الشراكس اليوم، في 52 دولة حول العالم، ويبلغ تعدادهم حوالي سبعة ملايين نسمة، يعيش قسم منهم في سوريا، التي وصلوها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عام 1878، قادمين من السلطنة العثمانية، فاندمجوا في المجتمع السوري، ولعبوا دوراً كبيراً في تاريخ البلاد، محافظين في الوقت نفسه، على هويتهم العرقية الخاصة ولغتهم الشركسية، "الأديغية".
قويَّت علاقة الشركس بالمجتمع السوري، بعد تعرضهم لهجرةٍ جديدةٍ عندما احتلت إسرائيل الجولان السوري (حيث كانت تقطن الغالبية العظمى منهم)، في حرب عام 1967، فبدؤوا بإدخال بعض العادات غير الشركسية الى حياتهم (الزواج من غير الشركس)، ولم يكن لهم أية مشاكل دينية أو إثنية، وقد سُمح لهم بتشكيل جمعيات ترعى شؤونهم، ومارسوا أنشطتهم الفولكلورية، كما حصلوا على الجنسية السورية وتمتعوا بكامل حقوق المواطنة، وقد وصلوا إلى البرلمان والوزارة، وأصبحوا قادة في الجيش والدولة، نذكر هنا أشهرهم على الإطلاق: أحمد نامي باشا شابسوغ ثاني رئيس لجمهورية سوريا عام 1925.
يُقدس الشركس (الأديغة) ثلاثة أمور: الأخلاق والقوة والوطن، ويعتبرون أنّ الإنسان إن فقدَ أخلاقه فقَدَ قوته، وإن فقدَ قوته خسر وطنه، وإنطلاقاً من هذا المبدأ فقد شاركوا في الثورة السورية الكبرى بقوة، وهنا لابد من ذكر الكلمة التي ألقاها "فوزي تسي أبزاخ "، يوم التقت الحشود الشركسيه القادمة من الجولان، بالرئيس شكري القوتلي، والتي قال فيها "اغتصب الفرنسيون بالقوه وطننا الحبيب سوريا، والأن نحن على كامل الإستعداد لأن نُضحي بحياتنا من أجل سوريا الحبيبة، المستقلة، الحرة و الكريمة"، وكان أن تطوع، يومها 150 شاباً شركسياً من بين الجماهير المحتشده لتشكيل أول نواة للجيش السوري المستقل"، رافضين كل إغراءات الفرنسيين، ومحاولاتهم لتحويل شراكسة سوريا الى طابور خامس.
ومن مواقفهم الوطنية نذكر أيضاً، قيام أهالي قرية مرج السلطان الشركسيه في غوطة دمشق بإيواء "شكري القوتلي" أول رئيس جمهوريه لسوريا المستقلة، لمدة ثلاثة أشهر، عن أعين السلطات الفرنسيه التي كانت قد حكمت عليه بالإعدام (بحسب قول الجمعية الخيرية الشركسية). كذلك ظهر حِسهُم الوطني العالي، يوم صوَّت شراكسة لواء اسكندرون، لصالح بقاء اللواء في حدود الوطن السوري.
طالتهم يد المجموعات الإرهابية، خلال حربها على سوريا، فتعرضوا للتهجير القسري، حيث ترك أهالي بلدات "البريقة" و"بير عجم" في الجولان، و"خناصر" الحلبية، بيوتهم وأراضيهم مثلهم في ذلك مثل أهالي قرية مرج السلطان-الغوطة الشرقية، فما كان من المشاركين في المؤتمر التاسع للإتحاد الشركسي الدولي،إلا توجيه نداءً الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يحذرون من خطورة التدخل في الشأن السوري، و يناشدونه تقديم الحماية الى الشركس السوريون.
الشركسي السوري، إنسان حضاري، يُبدع ويعطي الأرض التي يسكنها، يحترم مكونات المجتمع حيث حل و رحل... لذلك يستحق لقب مواطن أممي.