سامر الموسى: عبد الكريم زهر الدين.. رجل في الزمن الضائع

- جرت العادة عند قيام الانقلابات العسكرية أن يتولى الحكم عند نجاح الانقلاب رجل لم يكن هو العقل المدبر له و لم يشذ عن القاعدة (انقلاب الانفصال)، فبعد نجاح الانقلاب استقر رأي الانقلابيين على تولية اللواء عبد الكريم زهر الدين أمر قيادة الجيش، و بين ليلة و ضحاها أصبح زهر الدين في واجهة الأحداث حيث صدر البلاغ رقم /16/ القاضي بتشكيل أول قيادة عسكرية للجيش السوري بقيادة اللواء عبد الكريم زهر الدين.
و يقول العميد مطيع السمان في مذكراته (وطن و عسكر) أن زهر الدين حضر بدون سابق إنذار إلى مقر القيادة العامة للجيش حيث تعقد جلسة لضباط الانفصال حيث تقرر في تلك الجلسة الموافقة على اقتراح المقدم عبد الكريم النحلاوي بتكليف اللواء عبد الكريم زهر الدين قائدا" للجيش كما كلف اللواء نامق كمال رئيسا" للأركان العامة و كان من اللافت تكليف اللواء زهر الدين بقيادة الجيش فهو ليس من الضباط الذين خدموا في التشكيلات المقاتلة و لم يكن له دور يذكر قبل الانفصال ، كما أنه ليس من الضباط القادة و لم يكن حتى عضوا" في كتلة (الضباط الشوام) الذين قاموا بالانفصال، و قال البعض أن سبب تكليف زهر الدين بقيادة الجيش يعود إلى ضعف شخصيته ، كما أنه كان من الأقليات مما يسهل التحكم به.
●ولد زهر الدين في قرية (الصورة الكبيرة) القريبة من جبل العرب في السويداء و كان والده حسين زهر الدين عضوا" في المجلس النيابي لدولة الدروز "كما أسمتها فرنسا" حيث أصدرت قرار تأسيسها بعد انتدابها على سورية عام /1920/.

●بدأ زهر الدين حياته العسكرية كجندي عادي في سرية خدمات الكلية العسكرية في حمص و تم قبوله في عداد الطلاب الضباط دون أن تتوفر فيه شروط الفحص و الانتساب و خاصة الشهادة الثانوية و قد غمز البعض من قناة أن أحد المستشارين الفرنسيين أوصى بقوله نظرا" لمكانة عائلته في جبل العرب.

●تزوج عبد الكريم عام /1942/ من عائلة حمصية مسيحية من بيت حنون و تكلل عليها بالكنيسة و رزق بولدين هما فؤاد /مهندس/ وغسان /طبيب/.

● لم يكن زهر الدين يشكل شخصية هامة في الجيش السوري قبل الوحدة لكن الخلافات التي اندلعت في المؤسسة العسكرية عقب الانفصال أبرزت شخصية زهر الدين الذي أصبح يتدخل بصورة كبيرة في شؤون السياسة و الحكم المدني بسبب انهيار مجموعة النحلاوي أمام المعارضة الشديدة من قبل الضباط البعثيين و الشيشكليين و على الرغم من إعلان الجيش انسحابه إلى الثكنات و ترك الأمور إلى السياسيين لإدارة الحكم و وضع الصلاحيات الدستورية و السياسية بيد الحكومة المدنية إلا أن زهر الدين عمد إلى تشكيل مجلس للقيادة سماه مجلس الأمن القومي و كان هذا المجلس يتكون من ممثلي القيادة العسكرية ورئيس الوزراء و خمسة وزراء و ضم إليه في وقت لاحق رئيس الجمهورية و كانت مهمته صياغة الخطوط العريضة لسياسة الدولة و إعطاء صفة الشرعية على تدخل العسكر في الحياة السياسية
و في هذا يقول زهر الدين في مذكراته:
"لقد لجأ الجيش إلى تشكيل مجلس الأمن القومي لتوجيه سياسة البلد بصورة غير مباشرة.
إذ أن الأكثرية الساحقة من أعضائه كانت من العسكر لذلك كان من المفروض أن تطبق السياسة التي يرغب بها العسكريين"
وعلى هذا الأساس قرر مجلس الأمن القومي برئاسة زهر الدين إجراء انتخابات نيابية وتشكيل مجلس نيابي وانتخاب رئيس للجمهورية
جرت الانتخابات في الأول من كانون الأول وسط تدخل واضح من الجيش وهي آخر انتخابات نيابية في تاريخ سورية الحديث
كان الجيش ومن خلفه زهر الدين يرغب في تولي سعيد الغزي رئاسة المجلس النيابي لكن مأمون الكزبري فاز برئاسة البرلمان مما أدى إلى مشاحنات بين زهر الدين وناظم القدسي الذي على الرغم من ذلك فاز ب مقعد رئاسة الجمهورية بعد انسحاب الرئيس العظم نتيجة الفيتو الأمريكي عليه وضغوط قيادة الجيش كما قال العظم في مذكراته
أدى تكليف معروف الدواليبي وهو من الأسماء التي وضع عليها الجيش فيتوات إلى مزيد من الصراع بين القوى السياسية وقائد الجيش وحدثت انقسامات كبيرة داخل القوات المسلحة بين عدة كتل أدت إلى قيام العقيد عبد الكريم النحلاوي ب انقلاب في 28 آذار 1962 جاء لمصلحة الفريق عبد الكريم زهر الدين حيث أطاح الانقلاب ب حكومة معروف الدواليبي وحل المجلس النيابي وسجن رئيس الجمهورية وسمح للقيادة العسكرية تولي السلطتين التشريعية والتنفيذية
جاء الرد سريعا من باقي تكتلات القوات المسلحة حيث حدث عصيان في حلب وتمرد في حمص أجبرت زهر الدين على عقد مؤتمر عسكري في حمص ازاح كتلة النحلاوي من الجيش وقرر إجراء تغييرات داخل قيادة الجيش أعادت زهر الدين قائدا عاما للجيش وفرضت تكليف الدكتور بشير العظمة تشكيل حكومة جديدة عين فيها ل اول مرة الفريق زهر الدين وزيرا للدفاع
أدت التناحرات وضعف رئيس الجمهورية وقائد الجيش إلى سقوط حكومة العظمة وتكليف الرئيس العظم تشكيل حكومة تعيد الحياة النيابية عاد فيها زهر الدين وزير للدفاع وتعد هذه الفترة الأكثر غموضا في تاريخ زهر الدين حيث لعبت شخصيته الضعيفة دورا كبيرا في زيادة هذا الغموض حيث كان ممنوعا عليه وهو قائد الجيش زيارة القطعات العسكرية دون إذن من قادتها
في الأول من آذار 63أصدر الرئيس القدسي ب الاتفاق مع الفريق زهر الدين قرار ب نقل العقيد زياد الحريري الى بغداد ملحقا عسكريا كما نص القرار على تعيين راشد القطيني رئيسا لشعبة المخابرات العسكرية
كان هذا القرار بالغ الأهمية والدقة كما أنه اتسم ب الغموض حيث دفع القرار إلى وقوف زياد الحريري الى جانب كتلة ضباط البعث و الناصريين والقيام ب انقلابه الشهير صبيحة الثامن من آذار 1963
اتهم أكرم الحوراني في مذكراته زهر الدين ب الصداقة مع الولايات المتحدة حيث يقول انه لولا تأمر نظام القدسي وعبد الكريم زهر الدين لما كان لهذا الانقلاب أن ينجح
حيث يقول (إنني أتعجب كيف يقوم قائد الجيش ورئيس الجمهورية وهما على رأس السلطة ب الانقلاب على حكمها)
في 11 آذار 63 صدر قرار ب إحالة الفريق زهر الدين إلى التقاعد حيث ذهب إلى بيروت وأصدر منها مذكراته ليعود من جديد إلى دائرة النسيان حيث أمضى آخر أيام حياته عاجزا في ميتم ل الكنيسة الإنجيلية في حمص
جدير ذكره أن عبد الكريم زهر الدين هو جد العميد عصام زهر الدين من ناحية أمه
صورة ل الفريق عبد الكريم زهر الدين مع رئيس الجمهورية ناظم القدسي