نور الدين محمد: خليل بهلول

كان المرحوم (خليل بهلول) – برأيي – من خيرةِ الأدمغة التي أنجبتها سورية في القرن العشرين... قدرةٌ هائلة على إدارة الموارد البشرية، طاقةُ عملٍ خلاَّقة، تواضعٌ مع ثقة، وإيمانٌ كبير بوطنٍ يستحّقُ التضحية.

عملتُ تحت إدارة الراحل لمدة ثلاثة أشهر في صيف 1974م عندما كان مسؤولاً عن إنشاء المطارات العسكرية في سورية. وكنتُ أنتظرُ شهادة التخرج من الجامعة.

في أحدِ الأيام استدعاني إلى مكتبه.. مكتبٌ متواضع... طاولةٌ كبيرة منخفضة عليها مخططات كثيرة... أجلسني إلى جانبه وقال: هناك مطار في بادية "حمص" تم الإنتهاء من الأعمال المدنية فيه، ويحتاج بشكلٍ فوري للكهرباء... الطيارون على وشك الوصول ولا يجوز أن يناموا بلا كهرباء... عليك الذهاب إلى هناك وتركيب وتشغيل مجموعة توليد كهربائية... وفتحَ المخطط أمامه وأخذ يشرحُ المهمةَ المطلوبة بمنتهى الدقة, ثم قال:

"بلّغ مدير المشروع عن لساني أن يُؤمِّن لك كل ما تحتاجه.. ونظرَ إلى وجهي، وقال بلهجةٍ حازمة مقرونةٍ بعطفٍ أبوي... غداً تسافر إلى "حمص"".

وصلتُ إلى حمص في اليوم التالي... مدير المشروع شابٌ نبيل من "حلب" الشهباء كان مثال الأخ والزميل وبخبرته وجهودِه حقّقنا إنجازَ المطلوب.

بعد عشرةِ أيام وصل المرحوم "خليل بهلول" إلى المطار... اجتمعَ مع المهندسين... سأل عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة... التفاصيلُ كانت تُهمُّه جداً... وقبل نهاية الإجتماع نظرَ إلى مدير المشروع وقال له:

["منير" هذا الشاب (وأشار نحوي) أتى لعندكم فجأةً, ربما ليس معه ما يكفيه من المال... قل للمحاسب أن يُعطِهِ مبلغاً كافياً من المال ثم يقتطعُه من راتبه كلّ شهر...]، والحقيقة أنني يومها كنتُ أبحثُ عن القرش...

الرحمة لروح الراحل الكبير خليل بهلول...

من كتابه "عطر القوارير"