من زراعة الدخان.. تراث وذاكرة
نبيل عجمية
في عام 1733م دخلت زراعة التبغ إلى جبال الساحل السوري كمحصول اقتصادي، إلى جانب المحاصيل الزراعية الأخرى، كالكرمة والزيتون والقمح.
وكان تجار التبغ يبخسون المزارعين أثمان محصولهم، الأمر الذي دفع بعضهم إلى إخفاء قسم من إنتاجهم وبيعه مباشرة في الأسواق، ولا سيما إلى تجار مدينة حماة، الذين كانوا ينصفونهم ويدفعون أسعارًا أعلى من مؤسسة الريجي.
ومن بين هؤلاء الأهالي رجل يُدعى «أسعد»، أخفى قسمًا من الدخان في حقله، بعيدًا عن أعين الناس. وفي أحد الأيام، ذهب ليتفقد ما خبّأه، فإذا به يفاجأ باختفائه من مكانه!
حزن أسعد حزنًا شديدًا، ونظم قرادية (نوع من أنواع الزجل) يصف فيها حاله، وينقل ما جرى إلى أهالي القرية، فقال:
أصغوا لي يا ساداتي.. حتى أشرح حالاتي..
تاخبركن ع لي صار .... بصدق كله إثباتي...
عندي شوال من الدخان.. مخبا عن الورديان ...
خبيته بنص الوديان..... أنا وابني ومراتي...
خبيتو بليل الدامس.. ما فاق عليِ الحارس...
يومين ويوم الثالت.. وإلا جوني وليداتي...
قالوا لي راحوا التتنات.. كيف العمل والحيالات...
قلت بظني ما هو إثبات ... مين بيسرق كياتي...
رحت من الصبح بكير.. وقمت وبلشت التدوير
وما تركت حفه ولا شير .. وما نكشته بدياتي...
ومين بيتعدى عليّ........... يبعتله بعضة حيه
وربي يحرمو الذرية... هالجيل والجيل التاني.
تأثر أهالي القرية بمصيبة أسعد، وحزنوا لحزنه، وأخذوا يتعاطفون معه.
وكان من بين الحاضرين رجل يُدعى «محمود»، وهو الذي أخذ الدخان من الحقل.
وعندما سمع محمود القرادية، ورأى حزن أسعد وتأثر أهالي القرية جميعًا، رقّ قلبه وتأثر بالموقف، فقرر أن يفصح عن فعلته.
قصد محمود أسعد، وطلب منه الأمان ليتحدث معه، فأعطاه أسعد الأمان. عندها أخبره محمود بالحقيقة، واعترف بأنه هو من أخذ الدخان.
سامحه أسعد على فعلته، بعدما علم بسوء أحوال محمود المادية، ولم يكتفِ بذلك، بل أعطاه قسمًا من الدخان الذي أعاده محمود، ليبيعه ويطعم بثمنه أولاده.
وهكذا لم تكن الحكاية مجرد قصة عن شوال من الدخان، بل كانت حكاية عن مجتمع يعرف معنى الستر، والرحمة، والتسامح، ومراعاة ظروف الآخرين.
حكايات كهذه ليست مجرد ذكريات تُروى، بل هي جزء من ذاكرتنا الشعبية، ومن تراث قرانا الذي يستحق أن نحفظه وننقله إلى الأجيال القادمة.
***
معنى كلمة الورديان: هم رجال الدولة الذين يطاردون مهربي الدخان العربي في الأرياف في أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي
التتنات جمع تتن، وتعني الدخان، ولعل مفردة التتن تركية
كياتي، لفظة عامية وتعني ملكي أو خاصتي