عميشتمرو الثاني.. الملك الذي حكم بالحكمة في زمن العمالقة
د. غسان القيم
في تاريخ الأمم لا يُقاس الملوك بطول سنوات حكمهم ولا باتساع نفوذهم فحسب بل بقدرتهم على قيادة أوطانهم وسط العواصف. ومن بين ملوك أوغاريت الذين حفظت لنا الرقم الفخارية أخبارهم يبرز اسم عميشتمرو الثاني بوصفه أحد أكثر ملوك المملكة حكمةً وحنكةً في إدارة السياسة في مرحلة كانت بلاد الشرق القديم تقف على صفيح ساخن تتنازعها الإمبراطوريات الكبرى.
تولى الملك عميشتمرو الثاني عرش أوغاريت بعد وفاة والده الملك نقميبا وكان لا يزال في مقتبل العمر. ويحمل اسمه معنى جميلًا ينسجم مع طبيعة الحكم في الشرق القديم إذ يُفسَّر على أنه "استمرّ الشعب" أو "ليدم الشعب" وكأن القدر أراد أن يجعل من اسمه رسالةً تعكس استقرار المملكة واستمرارها وسط عالمٍ مضطرب.
غير أن الطريق إلى العرش لم يكن معبدًا أمام الملك الشاب فقد وقفت إلى جانبه امرأة استثنائية هي الملكة أحت ملك إحدى أشهر الملكات في تاريخ أوغاريت. وبرغم أصولها العمورية استطاعت بعد وفاة زوجها أن تتولى الوصاية على المملكة وتحافظ على تماسكها حتى هيأت الظروف لجلوس ابنها على العرش مثبتةً أن الحكمة السياسية لا تعرف حدودًا للأصل أو النسب بل تُقاس بقدرة صاحبها على حماية الدولة.
وتكشف الرقم الفخارية التي عُثر عليها في أوغاريت عن صورة مختلفة لهذا الملك فهي لم تحفظ لنا اسمه فحسب بل احتفظت برسائله ومعاهداته وأوامره ووثائقه الرسمية المختومة بخاتمه الملكي حتى بدا وكأنه ما زال يخاطبنا عبر الطين المشوي بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام.
عاصر عميشتمرو الثاني مرحلةً مفصلية في تاريخ الشرق الأدنى القديم ففي أعقاب معركة قادش الشهيرة التي خاضها المصريون والحثيون وانتهت بادعاء كل طرف تحقيق النصر أدركت القوتان أن استمرار الحرب لن يحقق سوى المزيد من الاستنزاف. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من التوازن السياسي تُوّجت بالاعتراف المتبادل بمناطق النفوذ ليعم السلام النسبي بلاد الشام وتتنفس الممالك الصغيرة ومنها أوغاريت، شيئًا من الاستقرار بعد عقود طويلة من الصراع.
لكن ذلك السلام لم يكن يعني غياب الأخطار. ففي الشرق كانت الدولة الآشورية تعيد بناء قوتها بسرعة بينما ظل الحثيون القوة المهيمنة في شمال سورية وأصبحت أوغاريت، بحكم موقعها وثروتها التجارية مطالبةً بأن تمارس سياسة دقيقة تحفظ مصالحها بين هذين العملاقين.
وهنا تتجلى براعة عميشتمرو السياسية.
فقد حافظ على المعاهدات التي ورثها عن أسلافه مع الدولة الحثية ولم يقطع روابطه معها لكنه في الوقت نفسه تابع باهتمام صعود القوة الآشورية في عهد الملك الشهير شلمنصر الأول وأدرك أن موازين القوى في الشرق بدأت تميل تدريجيًا نحو آشور.
وعندما طلب الحثيون من حلفائهم تقديم الدعم العسكري اختار عميشتمرو طريقًا مختلفًا. فلم يرسل جنده إلى ساحات القتال مكتفيًا بتقديم مساعدات مالية وعينية سخية تجاوزت في قيمتها ما كانت تنص عليه الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين.
لم يكن ذلك ترددًا ولا تخليًا عن الحلفاء بل كان قرارًا سياسيًا بالغ الحكمة فقد حافظ على ولائه الرسمي للحثيين وتجنب في الوقت نفسه استنزاف جيشه في حربٍ لم يكن يضمن نتائجها كما أبقى الباب مفتوحًا أمام علاقات متوازنة مع القوة الآشورية الصاعدة.
إنها سياسة تبدو اليوم أقرب إلى مفهوم الدبلوماسية الذكية حيث تُدار المصالح بالحسابات الدقيقة لا بالاندفاع ويُصان الوطن بالحكمة قبل السلاح.
ولعل أعظم ما يميز عهد عميشتمرو الثاني أن أوغاريت واصلت خلاله ازدهارها الاقتصادي والثقافي وظلت مرافئها تستقبل السفن القادمة من مختلف أنحاء البحر المتوسط فيما بقيت قصورها عامرة بالكتبة والحرفيين والتجار الذين جعلوا من المملكة واحدة من أكثر مدن الشرق القديم إشعاعًا.
ولولا الرقم الفخارية التي صمدت أمام النيران والزلازل وتقلبات الزمن لما عرفنا الكثير عن هذا الملك ولا عن تفاصيل حياته السياسية ولا عن رؤيته في إدارة شؤون مملكته. لقد حفظ الطين ما عجزت الذاكرة البشرية عن حفظه فبقيت توقيعاته وأختامه ورسائله شاهدة على عصرٍ بلغت فيه أوغاريت ذروة نضجها الحضاري.
إن عميشتمرو الثاني لم يكن قائدًا لجيوشٍ فتحت البلدان بل كان قائدًا لدولةٍ عرفت كيف تحمي نفسها بالعقل وكيف توازن بين القوى الكبرى دون أن تفقد شخصيتها أو استقلال قرارها. ولهذا بقي اسمه حاضرًا في الوثائق الأوغاريتية لا بوصفه ملكًا فقط بل رجل دولة أدرك أن بقاء المملكة لا يتحقق دائمًا في ساحات القتال بل كثيرًا ما يُصنع على موائد التفاوض وفي حسن قراءة التاريخ قبل أن يصنعه الآخرون.
وهكذا كلما أزاحت بعثات التنقيب الاثري طبقة جديدة من تراب رأس شمرا يعود عميشتمرو الثاني ليخرج من بين الرقم الفخارية لا كظلٍ من الماضي بل كملك ما زال يروي للأجيال كيف استطاعت أوغاريت بحكمة ملوكها أن تجعل من السياسة فنًا لحماية الحضارة ومن الاعتدال طريقًا إلى البقاء.